الأنا المدمرة والأنا الواثقة

مها شحاده

 

مفهوم الثقة بالنفس مفهوم حرج تدور حوله مغالطاتٌ كثيرة وحقائق وأوهام. هو مفهوم مهم لأنه الأكثر مساساً والتصاقاً بأنفسنا، وقد يحتمل هذا المفهوم تفسيراتٍ كثيرةً ويُشتق له تصرفات عدة قد لا تؤدي إليه، فلنَدُر قليلاً في فَلَكِ هذا المفهوم لعلنا نفهم أنفسنا بشكل أفضل ونوجه تصرفاتنا بشكل أقوم. مفهوم الثقة بالنفس هو مصطلح علميّ يدلّ على “قوة الباطن”، ولا يُترجم حرفياً فيظن السامع أنّ من يَثقُ بنفسه لن يَثقَ بربه، وهذا غير صحيح، هو مصطلح علميّ يعبّر عن:

– معرفة الإنسان لنقاط القوة التي يتمتع بها ونقاط الضعف، مع تقبّل نقاط الضعف، ووضع نقاط القوة في أهداف يتقدم نحوها:

– أن يحترم الإنسان ذاته، فيرى مِيْزاته ويشكر الله عليها، كما يرى مِيْزات الآخرين ويشكرهم عليها.

– القدرة على اتخاذ القرار وحل المشكلات.

– مواجه مصاعب الحياة بحكمة وتوازن، وقدرة السيطرة على مجرياتها.

– القدرة على إقامة علاقات متوازنة وإيجابية.

سمات الإنسان الواثق بنفسه

– السلام الداخلي والطمأنينة وقلة التوتر

– المبادرة والعزيمة

– الإيجابية والتفاؤل

– الإنجاز والنجاح

مفاهيم مهمة وأساسية ترتبط بالثقة بالنفس

– الاستقلالية الذاتية أي اتخاذ القرارات بناءً على وضوح الهدف الذاتي وليس لأجل التقليد، فالإنسان الواثق من نفسه يحدد أهدافه التي تلائم قدراته، ويتخذ القرار الصائب ولو كان يتعرض للضغوط من قبل الناس أو الرفقاء.

– النزاهة وعدم النفاق والجرأة في قول الحق أمام جمهور الناس الذين قد يخالفونه، فلا يهادن من أجل إرضاء الناس إن كانوا على خطأ.

– تحمّل المسؤولية في العمل والقول والخطأ، فالإنسان الذي يتحمل المسؤولية يعترف بأخطائه ولا يلقيها على أحد سواه ليبرّر أنه إنسان مثالي وكامل، ويتقبل النقد بإيجابية وسعة صدر لينمو ويتعلم.

– الإنسان الواثق بنفسه لا يسعى أن يبدو “كبيراً” في أعين الآخرين، بل يسعى أن يكون كبيراً في المسافة التي يقطعها نحو أهدافه، مع العلم أن الجميع مفطورون على نيل الاستحسان من الناس لأن ذلك يشعرهم بالقبول، ولكنّ الخطأ أن يكون نيلُ الاستحسان هو هدفٌ يتمحور حوله تفكيرنا.

– الشفافية فلا يرضى إنسان يثق بنفسه أن يُمدح بما ليس فيه أو يَنسِبَ له عملاً لم يقمْ به، فيُصحح فوراً لمن مدحه بالقول “لست أنا من قام بذلك إنه فلان..” ومن يسعى أن يَكبُر بعمل غيرهِ فذلك حتماً يعاني من تدنّي الثقة وضعف الضمير الأخلاقي أيضاً.

– الإنسان الواثق نفسه تواقةٌ، وطموحه ذو معايير عالية، بينما متدني الثقة يقلد ويتوهم، ولا يعرف حقيقة ما يريد.

– يرتبط الصدق بالثقة بالنفس كما يرتبط الرياء بضعف الثقة، لأن ضعيف الثقة يدور في إطار مرضاة الناس.

انتبه!! فهذه التصرفات لا تعني الثقة بالنفس

1) أنت لا تثق بنفسك عندما تمدح نفسك أمام الآخرين وتقول “أنا..” و”أنا..” و “أنا..”… ولا أن تنفش نفسك فوق الآخرين ولا أن تزدري الآخرين وُتنقص من قدرهم، فالواثق من نفسه يتصرف على عكس ذلك فلا يرى نفسه ولا يُسلّط الضوء على كل صغيرة وكبيرة قام بها، ويقدّر عمل الآخرين من حوله ولو كان صغيراً.

2) أنت لا تثق بنفسك عندما تحاول أن تُظهر أنّك معصومٌ عن الخطأ، والصواب أن تقول أنا تعلمت ولم أكن أعلم، وأنا أخطأت والآن تعلمت وشكراً لكم لأني تطورت، “ومن تواضع لله رفعه”.

3) أنت لا تثق بنفسك عندما تحاول أن تُثبت أنك رائع أمام الناس، والصواب أن تركّز على أهدافك في الحياة، فتقدير الناس لا يُكتَسب بعملٍ نُثبت أنفسنا من خلاله، ولكن ثقة الآخرين تُكتسب على فترة زمنية طويلة، تُظهر قدرة الإنسان الفعلية على حل المشكلات واتخاذ القرارات، وتُظهر الحكمة والشفافية والاستقلالية والنزاهة والإخلاص في العمل.

متى نبني ثقتنا بأنفسنا؟

أهم مرحلة لبناء الثقة بالنفس هي مرحلة الطفولة، لكن أغلبنا يبني ثقته بنفسه بعد مرحلة المراهقة بل بعد مرحلة الجامعة أيضاً، بسبب الأخطاء التربوية التي تحدث في كلٍّ من الأسرة والمدرسة، فلا تُتاح لنا الفرص لتعلّم مهارة القرار أو التعرف على قدراتنا، بسبب نظام التقييم المدرسي الذي بُني على مهارات محددة جداً لا تختبر قدراتنا، وتُعدّ مرحلة العمل بعد الجامعة مرحلة مهمة في بناء الثقة بالنفس، لأن الإنسان يتعرّف فيها على نفسه بشكل أعمق، حيث يبدأ في اختبار حقيقي لنقاط القوة التي يمتلكها وبالتالي يبدأ في تمييزها والتعرف على مجالات التفرد لديه، خاصة إذا كان يعمل في جو إيجابي يشعر فيه بالقبول ويتيح له التفكير وإدارة ذاته وقدراته.

ما هي الأخطاء التربوية الشائعة التي تؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس؟

1) التقبل المشروط في الأسرة وفي غرفة الصف يجعل الإنسان يسعى لنيل القبول بدلاً من التركيزز على هدفه، خاصة عندما يمنح القبول مشروطاً بالعلامة المدرسية وبالمظاهر التي تعلي من شأن الوالدين أمام الناس.

2) النقد واللوم يجعل الإنسان يبرر ويحرص على إخفاء أخطائه وعيوبه بدلاً من الانتباه إلى نقاط قوته ووضعها في أهداف مع تقبل نقاط الضعف، ومعرفة أن الأخطاء هي وسيلة للنمو والتعلم.

3) اتخاذ القرار عن الأبناء والتحكم بهم يجعل مهارة القرار ضعيفة لديهم، ومهارة القرار أساسية في اكتساب الثقة بالنفس.

هل تعاني بناتنا من ضعف الثقة بالنفس أكثر من أبنائنا؟ بشكل عام نعم، والسبب في ذلك يرجع إلى عدة أسباب منها:

1) تدنى طموح الفتاة بشكل عام، فعندما تسمع الفتاة منذ صغرها “ان شاء الله بنشوفك عروس” نضع إطار يحدد طموحها فتكبر بعقلية محدودة وثابتة ، لذا يجب أن تطمح الفتاة كما يطمح الشاب، كما يجب غرس قيمة الأسرة وبر الزوج ورسالة تربية الأبناء في صغرها كما تغرس هذه القيم في الشاب أيضاً، ليوازن الفرد بين نفسه وأسرته ومجتمعه، فلا يطغى شيء على آخر، فالفتاة التي تضع الزواج هو همها الوحيد وتعيش بلا أهداف وطموحات لن تفلح في تربية أبنائها لأن الأم هي المؤثر الأول في عاطفة الأبناء ومنها يشتقون دوافعهم ونظرتهم للحياة ويلهمون الأحلام والطموحات.

2) خوفنا على الفتاة هو سبب يجعل الفتاة محدودة المبادرة ومحدودة التجربة ومحدودة التفكير، وعلاج ذلك ببذل الجهد لإتاحة أكبر قدر من الخبرات والمبادرات التي تصقل التفكير والشخصية وتطلق القدرات في عالم مفتوح وآمن.

3) يعتقد البعض في أعماق أنفسهم – ولو لم يصرّحوا بذلك – أن الفتاة أقل من الفتى، والطامة الكبرى أن تكونَ أم الفتاة أو أباها هما من يحملانِ هذه النظرة الخاطئة، فيجنباها كثيراً من الفرص بسبب أنها فتاة “لا تستطيع”، وربما كان الفهم الخاطئ للدين سبباً في اكتساب هذه النظرة، وديننا العظيم منها براء، فهو يؤكد أن النساء شقائق الرجال، والحديث عن مكانة المرأة في الإسلام لا يتسع في هذا المقام، ولكن نحب ان ننبه من الناحية النفسية أنّ من ينظر للمرأة نظرة نقص يكون هو في داخله شاعراً بالنقص فهناك شهوة داخلية تجعله يقلل من شأن الآخرين اعتقاداً منه أن ذلك سيُعلي من شأنه، وما عَلِمَ أن الإنسان يعلو بالتقدير والاحترام والعطاء وليس بالازدراء.

كيف نبني ثقتنا بأنفسنا؟

-أن نحدد أهدافاً لنا قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، نتقدم نحوها يوماً بعد يوم. وهذا ركنٌ مهم جداً في بناء الثقة بالنفس، إنْ عانقته بَنيت ثقتك بنفسك في أي عمر، فالإنسان الفارغ من الأهداف والطموحات سيزداد نقصاً في كل يوم لأن غيره ينمو وهو نائم.

-أن نضع أنفسنا في محكات تجعلنا متخذين للقرار، وأن نشارك في اتخاذ القرارات من حولنا.

-أن نبتعد ما استطعنا عن الأجواء السلبية التي تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس.

-ألا نتوقف عن طلب العلم، فكلما ازددنا علماً طلباً لمرضاة الله ونفعاً لأنفسنا وللناس من حولنا (وليس من أجل أن يقال عنا) ارتفعت ثقتنا بأنفسنا.

-أن نتقرب إلى الله بالذكر والعبادة والإخلاص فكلما اقتربنا من الله زدنا إيماناً واشتدت بواطننا وعَظُمت أهدافنا وزهدنا بالناس.

مصطلح الثقة بالنفس ذكره أسلافنا وعلماؤنا بمصطلح “قوة الباطن” كما أسلفنا وهو الذي عبّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير”. رواه مسلم. ولا تهم المصطلحات بالقدر الذي يهمنا فيه التطبيق والارتقاء، فهنا يجب أن يتمحور تفكيرنا لننهض.

نسأل الله أن نكون من هذا الخير الذي ذكره رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، ومن الأقوياء الأحباء إلى الله.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *