خِفة الجَلد التي لا تُحتمل: عن التسويغ الثقافي لقتل النساء

سهاد ظاهر

سهاد ظاهر

 

بعد قراءتي للتعليقات وبعض الكتابات التي عقبت جريمة قتل سهى منصور (الطيرة) ولاحقا نور غوطي (يافا) كما بعد كل قتل امرأة، والتي كان قسم لا بأس به منها رجعيّا وغير واع لوقعها، وحتى مُجحف بحقّنا كمجتمع ومُجحف بحق النّضال النّسويّ، قرّرت استحضار إحصائيات قتل النساء في قسم من دول العالم، والكشف عن أرقام ربما هي معروفة للبعض منكن/م وربما مجهولة للبعض الآخر.
قراءة هذه الإحصائيات تضع الأمور في نصابها وأهدف للقول من خلالها، إن قتل النساء هو ظاهرة عالمية تحدث في الشّرق وفي الغرب دون استثناء، وكفانا كقُراء/ات، مبدعين/ات، فنانين/ات وكُتّاب/ات، إعادة واجترار ربطها بـ’شرف العائلة’، مصطلح بات ممجوجا بل وأكل عليه الدّهر وشرب ولم يعد يُستخدم حتى لدى من أوجدوه لوصمنا بالتخلف والرّجعيّة. صياغة قتل النّساء تحت مُسميات ‘الشّرف’ هدفت دوما لوصم الرّجل العربي/الفلسطيني كمجرم عقله بحجم ثقب، والمرأة العربية/الفلسطينية كضحيّة هذا الرّجل، والمُنقذ لها طبعا الغرب الأبيض المتنوّر! ما أود تأكيده هنا أن قتل النّساء ممارسة متفشّية في أكثر البلدان التي يظنها الناس الملجأ والمنبع للفكر النيّر. في الولايات المتحدة الأميركية، حسب سلطة إحصاء جهاز العدل الأميركية وحسب إحصاءات المنظمات الحقوقية والنّسويّة سُجّلت سنة 2013  – 15462 حالة قتل لامرأة أميركية على يد زوجها، هذا عدا عن آلاف الحالات التي قُتلت على يد رجل آخر مثل قريب، طليق أو حبيب. بعض الناشطات والحقوقيات ينوهن لحقيقة أنه ما بعد أحداث 9/11 ازداد عدد النساء التي تُقتل على يد أزواجهن. وتُرجّح الأسباب كالمتوقع إلى الحالة النفسيّة الصّعبة التي يمر بها الأميركي الذي يحارب من أجل ‘سلطة’ بلاده واستعمارها في أفغانستان والعراق وغيرها. أي أنه ليس مُذنبا بل مأزوم نفسيا.
في بريطانيا، تُقتل امرأتين بريطانيتين كل أسبوع على يد الزّوج. واحدة من بين كل أربع نساء تعاني ن العنف الأُسري. فمثلا في الأيام الثلاث الأولى من شهر كانون ثاني/ يناير 2012 قُتلت ثماني نساء بريطانيات و126 خلال سنة 2012.
في المكسيك تُقتل سبع نساء كل يوم وعلى الرّغم من الحرب التي تخوضها الجمعيات النسوية والناشطين/ات الحقوقيين/ات لمنع هذه الظاهرة، إلا أنها ضعف المعدل العالمي 15 مرة. ففي سنة 2011 قُتلت في المكسيك 2693 امرأة ويرجّح ذلك إلى كون النّساء ضحايا تفشي المخدرات والجريمة.
في كندا وفي تقرير صادر بتاريخ 24/8/2014 أعلنت الحكومة الكندية عن الحاجة المُلحّة للبحث وفهم آفة قتل النّساء المُتفشيّة فيها. وقد نُوّه في التقرير إلى أن الحديث عن كل الكنديات الأصلانياّت والمهاجرات.
في أوروبا هناك تفاوت بين الدّول المختلفة، لكن لا تخلو أي منها من أرقام مُخيفة من قتل النّساء.  في أوروبا عموما تُقتل ما يُقارب 2700 امرأة سنويا. في تقرير قدم للأمم المتحدة سنة 2012، تم التنويه إلى حقيقة أن العنف الأكثر شيوعا ضد النّساء هو العنف المُمارس من قبل أزواجهن. فمثلا 32% من النساء الإيطاليات بين الأعمار 16-70 واجهن عنفا جسديا أو جنسيا في حياتهن، وفي سنة 2010 قُتلت 151 امرأة منها 127 على يد رجل، 114 من هذه الحالات الرجل هو الزوج وفي بقيّة الحالات الرجل هو شريك سابق.
يُسوَّغ قتل النساء في أوروبا ويُصنّف على أساس Female Homicide and Female Femicide، ولكن حين يتطرقون إلى قتل النساء خاصة المسلمات مثل العربيات، التّركيات، الإيرانيات، الباكستانيات وغيرهن يعودون إلى ‘شرف العائلة’ ويسمونه Honor Crime. فمثلا في بعض الكتابات الأخيرة عن الموضوع، يتم التنويه دوما إلى ضرورة الأخذ بالحسبان السياق الاجتماعي للقتل ويُصنّف كالتالي (بكلماتهم/ن): ‘على أساس ثقافي مثل القتل على خلفيّة الشّرف، على أساس نفساني، وعلى أساس قضايا اجتماعية’. أي أن هناك فصلا بين الحالة الاجتماعية والنفسية، متناسين أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية لها الدّور الأساس في تشييد ذهنيّة المجرم وقاتل من أضعف منه اجتماعيا.
لماذا يُسَوَّغ قتل النّساء في الغرب الأبيض خاصة على أساس أزمات نفسيّة واقتصادية يمر بها الرّجل، وفي الشرق على أساس ‘شرف عائلة’؟ في الصياغة الأولى هو ضحيّة ويجب مساندته وعلاجه، وفي الثانية هو جاني تجب معاقبته.
تكشف النسويات والحقوقيات الأوروبيات إلى حقيقة أن منظومة العدالة في البلدان الأوروبيّة المختلفة مع تفاوت بينها طبعا، استخدمت مصطلح ‘شرف العائلة’ بعد مقتل امرأة مسلمة أو مهاجرة، بهدف التخلّص والتحرّر من مسؤوليتها تجاه تلك النّساء بحجة أن هذه ممارسة ثقافيّة، وأيضا لكي تُبقي هذه المجموعات في خانة تسهُل السّيطرة عليها وإقصائها وقت الحاجة. هل يُذكّر هذا بشيء؟ طبعا، بحالنا. فهذا تماما ما فعلته دوما المؤسسة القضائية والبيروقراطيّة الإسرائيلية.
خلاصة الحديث حتى الآن هي، أن قتل النّساء هي ممارسة عالمية لأن العالم بأسره ذكوري وبطريركي. ليست هذه الذّهنيّة حِكرا على المجتمع العربي أو ‘الشّرقي’، بل ولمفاجأتكم/ن هناك دول عربيّة لا يوجد فيها قتل للنساء. علينا التّوقُف عن التفوّه بمصطلحات بالية مثل ‘الرّجل الشّرقي’ والمجتمع ‘الشرقي’ وما شابه من تصنيفات رجعية لا تُدرك ما يحدث لا عربيا ولا عالميا. تصنيفات تضعنا في خانات ومربعات تتحول من فكرة إلى حقيقة مُمارَسة.
فلسطينيا، في المناطق المُحتلّة عام 1948 أو للدقّة قبل ذلك بكثير، يعود تاريخ ممارسات قتل النساء لسنة 1936 فيها كانت أول حالة، من بعدها هنالك توثيق إعلامي لحالة قتل بسنوات الستين في الناصرة، تبعته حالات قتل في بداية السبعينيّات في منطقة الرملة، التي أعقبتها احتجاجات ومحاولات نسائيّة غير منظَّمة لرفض ومناهضة قتل النساء، إلاّ أنّ أوج ممارسات القتل وبالمقابل أوج التنظيم النسائيّ والنسويّ لمناهضة ممارسات العنف والقتل في المجتمع الفلسطينيّ في الداخل ظهر في بداية التسعينيّات، وقد استمر مع استمرار جرائم قتل كثيرة على امتداد العَقد الأخير من القرن العشرين. هل فجأة أصبح قتل النّساء متفشياّ في الثمانينات؟ هل عصا سحريّة حولتنا خلال عقدين فقط بـ’شرفه’؟  الإجابة هي لا بالطبع. تنوه الباحثات في موضوع قتل النساء في المجتمع الفلسطيني إلى أن الارتفاع في نسبة قتل النساء عامة رافق سياسات القمع والتهميش والتفقير والعنف المُمَأسس الذي مارسته القوى الإسرائيلية في فترة الانتفاضة الأولى استمرارا للثانية وهبة أكتوبر 2000. وعزّز هذه الممارسات وهذا التّهميش والإقصاء فكر الإسلاموفوبيا الذي تبع أحداث 9/11 (أنظروا مثلا إلى بحث مقارن عن قتل النساء في مناطق الـ48 والضفة الغربية وقطاع غزّة، قمنا به أنا وبروفسور نادرة شلهوب كيفوركيان 2006-2013). تخلص غالبية الباحثات الفلسطينيات في العقد الأخير للقول إن قتل النّساء ينتج عن التفاعل بين الذكوريّة الموجودة في المجتمع (كما في كل المجتمعات بدرجات متفاوتة، مرة أخرى) وبين الممارسات الاستعمارية الإسرائيلية التي عملت بكد على تنمية العنف والجريمة والفقر في المجتمع.
إعلاميا ومؤسساتيا، لطالما صاغت المؤسسة الاسرائيلية قتل كل امرأة فلسطينية، حتى قبل البدء في التّحقيق والتحقّق، على أنه قصة ‘شرف عائلة’ وهكذا حررت نفسها من مسؤوليّة التحقيق والقبض على الجناة ليبقوا أحرارا يهددون المرأة التالية. نتيجة لذلك، غالبية الملفات أُغلقت بحجة عدم توفّر الأدلّة في حين كانت الأدلّة بين أيديهم. هذه السياسة هدفت لتفكيك المجتمع وإضعافه من خلال نثر العنف فيه ليكون انتحاره بطيئا وبيده. طبعا من الواضح والمتوقع جدا أن قانونهم لن يكون أبدا ملجأ للمرأة الفلسطينيّة، لكن تخيلوا امرأة مُهدّدة تحت السّكين، لمن ستلجأ طالما أن هذا هو القانون الوحيد الذي عليه أن يحميها ويمنع موتها؟! بالمقابل، بعض القوانين في البعض القليل من الدول العربية كالقانون الأردني الممتد في مناطق الضفّة الغربية المُحتلة، يخفف من عقاب رجل قتل امرأة على خلفية غيرته على ‘شرفه’. هذا الفعل مُماثل لما يفعله الغرب لما فيه من تحويل الجاني إلى ضحيّة أزمة نفسية تحتاج لعلاج وليس لعقاب.
لطالما خاض الحِراك النسوي الفلسطيني بشتى تياراته وميوله حربا شرسة ضد المؤسسة لتمنعها من استخدام مصطلح ‘شرف العائلة’ عند مقتل امرأة، وبالفعل نجح هذا الحِراك. فمنذ سنة 2011 قلما نرى أن إعلاميا أو شرطيا/ة إسرائيليا يتفوّه/ت بكلمة ‘شرف’ عند التقرير. أما الإعلام الفلسطيني في الداخل (أقصد ‘الأصفر’ منه) فإنه ينسخ ما يقول الإعلام العبري. الإشكاليّة، المأساة بل الطامّة الكبرى أن قسما لا بأس به من مُثقّفينا/مُثقّفاتنا، وفنانينا/فناناتنا ومُبدعين/ات لا زالوا/ن يستخدمون كلمة ‘شرف’ حين يريدون صياغة موقف من قتل امرأة. توقفوا/ن، فهذا سيئ ورجعي ومتخلّف.
ما يحدث في مجتمعنا يحدث في كل العالم، هذا جزء طبيعي جدا من ديناميكيات كل مجتمع. لا علاقة لما يحدث بهويتنا القوميّة ولا بهويتنا الثّقافية، هذه ليست ثقافتنا وهذه ليست هويتنا. نحن شعب مُحتل وليس بمُختل. كفاكم/ن استخدام مصطلح يُطرب الغرب من أجل الحصول على تمويل أو جمهور أو دمعتين وتربيت على كتف من يد بيضاء. كفانا شتما لذاتنا فنحن لا زلنا شعب وأمة تحب الحياة حتى لو لم تستطع إليها سبيلا. لا أهدف للقول هنا إلى أننا مجتمع مٌنصِف ومُتحرّر، ولا أقول إن الرجال والنّساء في مجتمعنا لا يقمعون الفتيات والنّساء، لكن هذا جزء منا وليس كُلِّيَّتنا، تماما كما هو جزء من كل مجتمع بتجليات مختلفة وتحت مسميات مُغايرة. ففينا أيضا نساء ورجال بفكر نسوي، يُناهضن ويُناهضن العنف، يقاومن ويقاومون من أجل التميُّز والتحصيل وتربية أجيال مميزة، ولا يمكننا محو هذه التّجارب واختزال تجارب مجتمعنا بنعته ووصمه بالتخلف والشرف والقرف.
القضاء على قتل النّساء وعلى قمعهنّ يأتي من خلال التكاتف والعمل المُشترك والذي يبدأ من التربية للمساواة في الحقوق، من منع مسلسلات متخلّفة في البيوت، من سرد التاريخ المُشرّف، من التربية على الكبرياء والقوة وليس على الخنوع والدونيّة، من التربية على حب الذات والفخر بما أنت، وليس على شتمها ونعتها بالتخلّف، يبدأ من البيت والمدرسة والشارع، يبدأ من خلال عمل مشترك للرّجال والنّساء على حد سواء، يبدأ من العمل مع الرجل الفلسطيني نفسه شريك الهَمّ، بدلا من التكاتف مع الرجل الغربي الأبيض ضدّه. سيبدأ ذلك حين يتوقف قسم كبير من الرجال عن التظاهر ضد عنف الاحتلال ويصمتون عند عنف الرّجال، وحين يتوقّف قسم كبير من النّسويات عن التظاهر ضد عنف الرجال والصّمت عند  عنف الاحتلال. يبدأ حين يخرج كلاهما لمناهضة قتل المحتل وقتل مجرم مختل.

 

 

المصدر: وكالة المرأة