ما لم تبدأه اليوم.. لن يكتمل في الغد

ريم مشهور جوابرة

 

حياتنا مدرسة، أستاذها الزمان، ودروسها التجارب والمواقف اليومية، فهي لا تحتاج إلى طلب انتساب ولا حتى حجز مقعد، ‏نكتسب خبراتها، ونتعلم معارفها، وندرك مهاراتها، وننجح بها تارة ونصطدم بها تارة أخرى.

لعل الخطوة الأولى في تحقيق الطموح هي تصميم صورة بهيّة ‏عمّا سيكون عليه الإنسان في المستقبل، فتسطير الطريق في تحقيق المراد ينبغي أن يكون بخطوات هادفة ثابتة، فالوصول للهدف ليس بالأمر السهل، فهو يتطلب مثابرة وجهدا ووقتا، والإنسان لا يصل إلى بستان النجاح دون أن يمر بمحطات التعب وعتبات اليأس، ولكن صاحب الهمة القوية لا يطيل الوقوف عند هذه المحطات والعتبات، بل يجعلها وقودا للسير في ركب الناجحين، كما قال أوسكار وايلد: “الطموح هو الملاذ الأخير لمن يفشل”.

إن النجاح في الحياة لا يتحقّق إلّا بالطموح والإرادة والعزيمة والإصرار، فقد حثّنا ديننا الكريم على هذه السمة الرفيعة ‏التي يتميّز بها المسلم الراقي؛ يقول الله تعالى في كتابه الكريم، في سورة المطففين آية رقم ( 26 ): “وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ”، صدق الله العظيم، فالخطوة الثانية في تحقيق الطموح هي تجسير ‏الفجوة بين أن أكون أو لا أكون، والوصول إلى ما يُعرف بـ “الحلم المنشود” ولكي ننجح علينا أن نؤمن أنه بمقدرونا تحقيق النجاح، مصداقا لقول الحبيب ‏المصطفى -صلى الله عليه سلم-: “إذا سألتم فاسألوا الفردوس الأعلى من الجنة”، فالثقة بالنفس بعد التوكل على الله مطلب شرعي، لذا يستلزم على المسلم أن يحسن الظن بالله تعالى، وأن يتفاءل لنفسه الخير والنجاح دائماً، وأن يسعى للارتقاء، فالطموح في الحياة يتطلّب من الإنسان اقتناء حوافز تساعده على بلوغ مراده، وقوّة نفسيّة تكسبه ثقة عظيمة وطاقة روحية، فالطموح خطة عقلية تدفعك إلى ‏ما تحب وترضى، وتترك لك بصمة تدلّ عليك، لتكون أنت التغيير الذي تريده في هذا ‏العالم.‏

يتطلب بلوغ الطموح الكثير من المقومات الأساسية، ولعل أهمها هو التحلي بالقوة ومقاومة الضعف والفتور بكافة أشكاله، وعدم الاكتراث للأشخاص السلبيين الذين يهدفون إلى إلحاق الإحباط بغيرهم، والتثبيط من عزيمتهم، بل عليهم مجاراة الأشخاص الناجحين والسير على خطاهم، وحرص على تطوير الذات واكتساب العديد من المعارف والعلوم في كافة مجالات الحياة، بحيث يكون ملماً بكل ما فيها.

مما لا شك بأن الطموح محفوف بالمكاره، فهو سمة نفسية نبيلة لا يملكها إلا أصحاب العزيمة الصلبة والإرادة القوية والصبر المستميت على جميع الأمور، فهم لا ينظرون إلى الحجارة المتناثرة حولهم، بل يجمعونها ويبنون منها سلماً ليرتقوا به إلى سلم النجاح، ولا يبكون على الشيء المسكوب، فالبكاء لن يعيده؛ فنفوسهم تتوق إلى المعالي، وتهوى دائماً طلب المحال لجعله حقيقة لتكون همتهم فوق الجبال، فالطموح اللامحدود هو الوقود للنجاح ولا يتطلب مبرراً، فلا ‏شيء يُطلق العظمة الكامنة بداخلهم سوى تحقيق طموحهم، يقول الإمام الشافعي: “إذا غمرت في شرف مروم، فلا تقنع بما دون النجوم”.

هناك ‏كثيرٌ ممّن واجهوا الصعوبات في تحقيق أهدافهم، ثمّ تقاعسوا عنها، ورأوا أنّ الخنوع والانقياد والتسليم بالأمر أسهل من مناكفته.‏ وهناك من وضع لنفسه خطوات فعاّلةً، ودعّمها بخطةٍ بديلةٍ في حال الفشل، فما هو إلا هزيمة ‏مؤقتة تخلق فرص النجاح، فالحياة على ما نصنعه فيها، فليس عارٌ أن نقع، ولكن العار ألّا نحاول ‏النهوض مرة ثانيةً، فالطموح الصادق أن تتطلع النفس إلى ما هو أسمى وأنبل وأعظم، فالنجاح لا يستدعي عذراً، والفشل لا يترك أي مبررات، قال رسول الله صلّ الله عليه وسلم: “إنّ الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها”.‏

ما أعظم الروح التي تتغنى بالعزيمة والتحدي فهي روح البطولة والانتصار، وما أنبل النفس التي يترنم على محياها نشيد الشاعر محمود درويش حين قال: وبي أمل يأتي ويذهب لكن لن أودعه.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *