قضية حرية المرأة.. من الجاهلية لعصر العولمة

أحمد طلب

 

قبل الخوض في الحديث، الحرية حق إنساني، ولا جدال في هذا، قيمة مقدسة وحق مفروض وواجب ديني، قد أوصى به ديننا الحنيف، فالحرية مطلب عام مستحق، ولكنه للمرأة منذ الأزل لا زال فيه حديث، الحرية للمرأة في الألفاظ النبوية والإنارات القرآنية كان معنى راقيًا، يفرق بين الحرة في شخصها بخلقها وبين الأمة المسترقة أو المستعبدة، وعندما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء.. قال: ولا يزنين. وعندها قالت هند بنت عتبة: وهل تزني الحرة؟ فالمرأة المصونة الشامخة العفيفة الشريفة هي المرأة الحرة.

ويعلم الجميع حتى الغرب أن الاسلام أنقذ المرأة من بئر عميق ضحل في الجاهلية، ولقد أوصى النبي – صلى الله عليه وسلم – بالنساء كثيرًا، فقد صعد – بأبي هو وأمي – على المنبر ونهى عن ضربهن، ثم مرة أخرى كررها، وقال النبي: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وكان العرب في الجاهلية كما قال القرآن الكريم: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم.. لن نسهب كثيرًا في توضيح ذلك، فالكل يعلمه.

كثيرون ممن تأثروا كثيرًا بعادات الغرب، وظنوا أن تقدم الغرب ما هو إلا بالانفتاح الذريع ونزع الحجاب، هؤلاء يتحدثون عن قضية الإسلام والمرأة وكفالته لحقوقها في عصر الجاهلية، وكأن الإسلام لم يعطها حقها فقط إلا في الجاهلية وفي عصر العولمة لم يعطها، والحقيقة أن الإسلام أعطى ولا زال يعطي، وسيظل يعطي حقوق المرأة في كل عصر، هؤلاء فتك برأسهم الغرب فنسوا ثقافتهم ودينهم، ولكننا عندما نقارن بين المرأة في الإسلام، والمرأة الآن، فهذا أمر ليس بالسيئ إطلاقًا، ولكن ليس أن نترك الحرية تطير بلا قيود، فتفقد الحرة حريتها بنزع ثوبها، أو تفقدها بحشرها بين ثوبها وبيتها دون شفقة.

الحرية معنى فطري منضبط بحدود وتعاليم، وليس قيمة مطلقة، وفي مجتمعاتنا الإسلامية فإننا نواجه مشكلة خانقة لا زالت تفرض نفسها للآن.. نحن بين فئتين:

الأولى: يطالبون بالانفتاح المطلق، بدون قيود أو ضوابط، عن طريق نسخ المرأة الغربية ولصقها بالمرأة المسلمة، بأورامها وأخطائها وانفتاحها العاهر، فهم يقدمون نموذجًا آخر غير ما قدمه الدين تمامًا، وهذا مرفوض عند كل ذي عقل وذي خلق.

الثانية : المتشددون.. الذين يدعون الحفاظ على المرأة من واقع المجتمعات الإسلامية، ويرفضون أي تعديل إيجابي بحجة أنه سينخر في ديننا، ويفتح الباب لمهب الريح، إذًا فحجتهم هي الخوف فقط، وهل ديننا وواقعنا وثقافتنا هشة بحيث ستمزقها أية شرذمة.

والمرأة للآن.. بين الخوف من هذا والاستغراب من ذاك.

وعلى الرغم من تخالف وتناقض هاتين الفئتين إلا أنهما قد اتفقا في أمر.. تخلف المرأة.

وسلب إرادتها وحقها في الإبداع والتفكير، فهذا مقيد وذاك فارض، لأن فرض نمط غربى هو احتكار وقضاء على إرادتها وخصائصها الاجتماعية والثقافية كامرأة مسلمة.

وأما عن إرغامها على القبول بكل تفاصيل هذا الواقع الاجتماعي مهما كان، فهو أيضًا قضاء على حريتها في التعبير عن الظلم الذي تواجهه.

فالإعلام في عصرنا يصور المرأة (الجسد) فيشوه بذلك كل الصور الراقية العظيمة الأخرى التي خلقها الله فيها كإنسان له ذات وروح وشخصية وتكلفة.

وفي الجهة الأخرى فإن هناك بعض الدعاة يكرس ذات الصورة السابقة من وجه آخر ولا يدري، عن طريق المبالغة في الوعظ والذم للشكل الظاهر للمرأة، وربط أكثر قضايا المرأة بالشكل المظهري وحسب، حتى وإن كان منافيًا فلقد نظر نفس النظرة.. الجسد.

فالفئة الأولى تسعى إلى الإفراط في الحرية، دون قيود وترك الفتاة لذاتها وسلبها حقها في التمسك بذاتها ودينها، والفئة الثانية تسعى الى تقييد المرأة تقييدًا شنيعًا وسلبها أدنى حقوقها في التعليم والأكل والشرب والملبس.

المرأة مظلومة في الحالتين، فبخسها حقها ظلم.. وتحميلها مالا تطيق باسم المساواة ظلم.

ليست هناك أية مشكلة للمرأة في ديننا الإسلامي، بل على العكس.. هو الحل الصريح لهذه المشكلة، فقد يكون العصر منشأ لبعض المشاكل المستحدثة، كالعدوان اللفظي والجسدي والمرأة التي تزج لدور الرعاية والمسنيين، وعلى غرار ذلك فتلك الآفة قد افتعلها الغرب، والمرأة المطلقة! والأرامل! والمرأة الممنوعة عن حقها في الزواج والسعادة الهانئة، وهذا أيضًا بالمناسبة.. غالبًا بسبب التشدد الذي في غير موضعه.

كل البيوت لها مشاكل وقضايا متنوعة، اختلفت الأسباب والرب واحد.  إن الجامع لهذه الأخطاء هو الخوف الدائم على المرأة.. أي الإفراط في الخوف عليها؛ مما يجعلنا نعنى فقط بوعظها وإرشادها وتحذيرها وتخويفها مخافة الفتنة والشبهة، هو بالطبع خوف محمود لذاته، لكن لا بد من الضبط والاتزان.

والمطلوب تجاه ذلك تسليح المرأة بذاتها وإعطاء الثقة بنفسها، وسقي جذور الخير بأرض قلبها، وإرشادها دون قسوة، وزرع فواكه الدين الطيبة بأرض روحها، والاهتمام بها كما تستحق، فهناك المفتية والفقيهة المسلمة، وكانت بعض العالمات أساتذة لبعض التابعين، بل لبعض الصحابة أيضًا.. يكفينى دليل لك: أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها.

إننا نحتاج لدعاية كبيرة وإرشاد وعي ظاهر للتوعية بقضية المرأة منضبطة، في صيغة إسلامية متزنة قائمة وثابتة، والدفاع عنها ضد كل حاقد أو حاسد، عملًا بوصيته صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالنساء خيرًا.

وينبغى تقديم النقد والتقويم لسلوكنا تجاهها، حتى لا نظل مسكونين بهاجس الصراع ذاك، فالحل الأنسب والأشمل موجود في ديننا، وحتى لا نقيد أيدينا بحبال الرد على الآخرين، الذين يتحدثون عنها وكأنهم هم القافلة التي ستنقذها من غياهب الجب، فالطرح الإسلامي المعتدل أحق وأولى في تناوله لقضايا وهموم المرأة.

إن للمرأة حقوقًا على المجتمع كله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، على الرجال إغلاق باب الشك قليلًا، فهو مصدر النزاعات والطلاق أيضًا، فهناك من يفتش في دفاتر زوجته، فيجد ما يضحك وما يحزن.. وما يجعله يشك، فوجد شعرًا جميلًا وغزلًا وشوقًا للقاء.. أو بالشرط يا رجل أن تقرأ أو تحب الغزل أن تكون واقعًا في الحب؟ مجرد ما يرى ذلك يتذكر أبيات الشناوى:

لا تكذبي، إني رأيتكما معًا

ودعي البكاء فقد مللت الأدمعا

ما أقبح الدمع السخين إذا جرى

من عين كاذبة، فأنكر وادعى

المرأة هي ضلع الرجل، فلو فارقتك لسقط قلبك، قد خلق الله أمنا حواء من ضلع آدم لتكون أقرب إلى قلبه، أعطها ما تريد من حب، فذاك لن يكلفك شيئًا، وأحسن الظن بها فهي تستحق، ويكفيك منها أنها اختارتك أنت، فلا تخيب فيك رجاءها.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *