بين الجمال والتجميل

أويس عبدالرحيم كنسارة

 

  • • تقف إحدى الفتيات أمام المرآة، وتتحسّر لأنها لم تحظَ بأنف متناهٍ في الصغر، أو شفاهٍ ممتلئة، أو فكٍّ مرسومٍ بالمسطرة. وبتكرار القلق الموهوم تلجأ إلى حلول مزيفة، وتراكمات من الأقنعة والمساحيق وعمليات الصلصال والبلاستيك والإبر المقعّرة. أهيَ ذميمة لهذا الحدّ؟ بل تراها قمراً! وَيَا للأسف؛ لم تدرك جمالها.
  • • ما يعتبره صديقي في غاية الجمال؛ عجزتُ أن أنظر إليه أنا. والذي كنت أراه عادياً في سنٍّ أصغر، وجدته اليوم جديراً بالإعجاب. هكذا المعايير الجمالية تتفاوت. كما أنها تختلف باختلاف البيئات والأزمنة؛ فحتى الامتلاء والسّمنة مثلاً، كان أيقونة جمالٍ عند بعضهم يوماً ما، وربما لا يزال. فهل ما زلنا نحن، نعتقد بخرافة المعايير الواحدة للجمال البشري؟.
  • • الحقيقة البديهية هي أن لا مناقشة في الأذواق. فالتفضيل الجمالي، بين الصفات الجسدية، كالطول والقصر، والبياض والسُّمرة، وتموّج الشعر وانسداله، وشكل الأنف وحجمه، كلها مسائل نسبية؛ ومن ثم لا تخضع للمناقشة وإصدار الأحكام. وإن كانت هذه النسبية تبدو واضحةً باختلاف الشعوب والثقافات، فإنها ورغم ذلك؛ تتجلَّى كثيراً في ذائقة أبناء الوطن الواحد، والمدينة الواحدة، والحي الواحد!
  • • ومفهوم الجمال لا يختلف عليه اثنان فحسب، بل يمكن أن يختلف عليه الشخص نفسه، كلما قفز من مرحلةٍ عمرية إلى أخرى. فيحدث أن ما أثار إعجابه بالأمس، لا يتناسب مع معاييره اليوم.
  • •وهذا يقودنا إلى نتيجةٍ هامة: أن اختيار الشريك بناء على الصفات الجسدية لوحدها فحسب، اختيار طائش، قد تكون نتائجه وخيمة. بعكس الاختيار الحكيم، المبني على مزيج من المظهر والجوهر؛ جوهر الروح والأخلاق، الذي غالباً ما يكون محل اتفاق، فيبقى أساساً متيناً يغذّي الجمال الخارجي ويحافظ عليه وينعشه.
  • • والمقصود الرئيس هنا، طالما كان الجمال نسبيًّا، وطالما أن كل إنسانٍ يمتلك مظهراً مثالياً جميلاً بالنسبة لأحدٍ ما، فلمَاذا تُغيِّر بعض الفتيات شكلهنّ بطريقة مفزعة؟، لماذا لا يستعيضون بالثقة المُكمِّلة بدلاً عن التزييف المُكرّر؟، هل لاحظتَ المرأة التي تقفُ شامخةً وتلفِت انتباه الجميع، بمجرد تواجدها في حرم المكان؟، لم يكن اللافتُ فيها وجهها ولا مساحيقها، بل الكاريزما والثقة بالنفس. فالواثق تؤثر ثقته بشكل لا إراديٍّ على نظرِ من حوله. وهنا يكتمل البهاء ويتضح الجمال الحقيقي.
  • • لقد أبدع الخالق في صنيعه وخلقه، وتجلَّت حكمته في اختلاف الأشكال والأذواق، فلا يُتصور أنّ إنساناً قطّ يفتقدُ للجمال، ومهما كانت صفاتك الجسدية لا تعجبك؛ فقد خلق الله -عز وجل- شخصاً ما، في مكانٍ ما، يراك الأجمل في ناظريه، يراك الأجمل كما أنت، بلا تعديلات ولا تجميلات!

‏•• لمحة: الجَمَال موجود في كلّ شيء، الجمال يُكتشف؛ تكتشفه العيون الجميلة فقط.

 

المدينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *