جيل الأشياء الكبيرة والأعمال الصغيرة..

أروى الطويل

 

في التسعينيات من القرن الماضي ـوربما بعد وقبل ذلك قليلًا- وفي قلب عصر ازدهار الدعوة، كان كل مولود هو صلاح الدين / أو أم صلاح الدين القادم/ة، الذي سيحرر القدس، ويجمع المسلمين، وينصر الأمة، ويرفع السوّقة، ويعلم الجهلة.. كل مولود سيرث حلم أباه الذي لم يحققه، يولد الطفل فيلقى في حجره الحلم المؤود، لم يكن بين المواليد مثلاً من سيكون طباخًا في جيش صلاح الدين، أو كناسًا في جيش صلاح الدين، أو جنديًا عاديًا جدًا في جيش صلاح الدين..

لم يكن هذا على نطاق الإسلاميين فقط، فأنت إذا كنت من جيل التسعينات فأنت على الأرجح قد حضرت دورة “تنمية بشرية” واحدة على الأقل، وتحدث فيها المدرب عن ألا تكون عاديًا، وعن ضرورة أن تكون”مميزًا جدًا”، مختلفًا جدًا، قياديًا، كل مشاكلك هي انتصار حقيقي على شيء ما، أنت مميز بطبعك، مستحق للثناء والتمجيد وحتى لو لم تكن، فهذا ليس ضعف في قدراتك، ولا لأنك غير مؤهل بل فقط لأنك لم تأخذ فرصتك “الحقيقة”، المشكلة هم الآخرون -مع الاعتذار لسارتر-..

جيل جديد مهووس بالتميز، لا يستطيع أن يقف ويهدأ وينظر لنفسه ويتأمل، جيل غير قادر على الوقوف للاعتراف بنفسه أن احتمالية أن يكون عاديًا هي أكبر بكثير من أن يكون غير عادي، وأن أفكار القيادة و”الـ ٢٪ المميزين” قد لا تنطبق عليه ببساطة، وأنه حتى لو كان متميزًا فربما لن يخلد التاريخ اسمه، وأنه سيموت ويذوي ويتعفن في باطن الأرض مثل من مروا وسيمروا..

هذا النمط من الحديث، يعلي من قيمة التميز الصارخ، فلا مكان للإنسان المتوسط.. ولا مكان للإنسان الضعيف، هذا التميز لا يكفيه أن تكون مميزًا في مجالك في صمت بل يجب أن يكون هناك الكثير من الشهرة والضوضاء المرافقة لنجاحك الفذ.. هذا التميز لابد أن يصاحبه الكثير من الأموال.. بحيث تملك الشهرة والمال.. ليس هناك حديث حقيقي وجاد حول القيمة أو القيم، ليس هناك أي حديث حول الأعمال الصغيرة المملة المتكررة الدؤوبة للوصول لهدف متوسط..

مشكلة هذه الأفكار الرئيسية هي أنها تهمل الأعمال الصغيرة، يشعر المتلقون لهذه الأفكار فجأة بأنهم في ورطة، فلا إمكانية لإنجاز هذه الأعمال الكبيرة، بدون إنجاز لأعمال صغيرة ومتكررة وروتينية وشبه يومية، أعمال لا تليق بقادة كبار، ولا مدربي تنمية بشرية، ولا فاتحين ولا غزاة بالطبع.. سيعيش هؤلاء الأطفال -الشباب الآن- في هوس التفوق والتميز، ليكتشفوا فجأة أنهم ليسوا مميزين كما كانوا يعتقدون، وليكتشفوا أنهم قد فاتهم وقت هائل، لم يبحثوا فيه عن معانيهم الخاصة التي قد تعينهم على العيش في هذه الدنيا دون أن يصابوا بالجنون، يسيرون وهم مغموسين في الشقاء والتعساء، تضيق عليهم الدنيا، بلا فسحة المعنى..

في هذا الحديث تتجلى ذروة الرأسمالية المنكسرة -في العالم الثالث- رأسمالية بلا إنتاج، وبلا قيمة مضافة، وبلا مجهود ولا عرق ولا تعب، ولكنها يا للعجب قادرة على صنع الكثير والكثير من الأموال.. في جيل كهذا.. تكون الأمومة -كغصة بالحلق- تبدو عائقًا عن التميز الصارخ، والسفر والمؤتمرات واللقاءات والأنشطة، ولإن لكل شيء ثمن، يبدو ثمن الأمومة ككثير من الأعمال الروتينية الصغيرة والتي تنجز في كل يوم بلا أثر واضح، ما تنجزه اليوم يظهر بعد عشرين عامًا أو أكثر، ومن يرضى؟، تصبح الأمومة سبة في جبين كل امرأة قررت أن تهب نفسها للأعمال الصغيرة المتراكمة والتخلي عن الملذات لأجل الولد ورعايته، يتحول الأمر لما يشبه حالة من “البين بين”، فأنت أم، وبالتالي أنت “مبجلة” لأن “الجنة تحت أقدام الأمهات”، لكن هذا لا يعني بالضرورة الاحترام اللائق، لأنك لا تنتجي ما يكفي من المال والشهرة والتألق الصاخب الذي يناسب هذا العصر.

في جيل كهذا، تصبح حياة السكينة الهادئة شديدة الصعوبة، يصبح الرضى عن النفس، وقبول الفناء والتلاشي أصعب وأصعب، تصبح التضحية لأجل العائلة مهمة مستحيلة، والعمل الصبور الجاد قليل، يصبح السعي للاكتمال والكمال أكثر حرارة، أما معاني الآخرة والجزاء الأخروي، فتغدو أبعد بكثير مما يجب..

قد يسأل البعض، وما الحل؟

الحقيقة أني لا أعرف، ولكن الشيء الذي أعرفه إن الإدراك المبكر خير من الإدراك المتأخر، وأن الله قد وعد “وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ” وأن الله قد وعد “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ”..، وأن البحث عن المعنى في كل شيء هو أسلم الطرق وأصعبها في آن، وأن ليس أمامنا إلا التسليم والبحث الطويل وألا نربي أولادنا على مثل ذلك -إن استطعنا-..

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *