حقوق المرأة في النظام القضائي (3)

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله – مستمعي الأفاضل – في برنامجكم: “فقه التقاضي”، وقد رأيت تخصيصَ ثماني حلقات للحديث عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، ومن أبرز الأسباب التي دعت لذلك:

1- إبراز عناية الشريعة الإسلامية والأنظمة التي لا تتعارض معها بحقوق المرأة.

2- إبراز الجوانب المشرقة التي حظِيَت بها المرأة السعودية في الأنظمة القضائية.

3- استعراض أبرز الحقوق التي تضمنتها الأنظمة القضائية السعودية للمرأة.

4- التنبيه إلى أخطاء تقع فيها المرأة، مما يسبب ضياع بعض حقوقها.

أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها مُعِينةً على حفظ الحقوق، وحُسن تأديتها.والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تُحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معينةً لها على حفظ حقوقها، والإجراءات التي خُصَّت بها المرأة مراعاة لوضعها وطبيعتها).وقسمت حديثنا على أربعة محاور:

1- حقوقٌ وتعليمات عند عقد النكاح، وقد مضى الحديث عن هذا المحور في الحلقة الماضية.

2- حقوق خلال العِشرة الزوجية، وهو محل حديثنا في هذه الحلقة.

3- حقوق عند انتهاء العِشرة الزوجية.

4- وصايا وتنبيهات.

مستمعي الأفاضل، قررت الشريعة الإسلامية للمرأة جملةً من الحقوق، وجاء القضاء السعودي منفذًا لذلك.

فللمرأة خلال قيام العِشرة الزوجية حقوقها المشروعة، ومتى أخَلَّ زوجها بشيء من تلك الحقوق كان لها المطالبة به عبر القضاء.

ومن أنواع المطالبات التي يمكن للمرأة المطالبة بها قضاءً:

1- المطالبة بالصداق، أو ما بقي منه.

2- المطالبة بإنفاذ الشروط التي اشترطتها الزوجة عند العقد.

3- المطالبة بإحسان العِشرة فيما لو أساء الزوجُ عِشرتها.

4- المطالبة بحق السكن فيما لو منعها الزوجُ مِن هذا الحق، أو أخَلَّ به.

5- المطالبة بالنفقة.

فكل هذه الحقوق مستحقة للزوجة عند تحقق موجبها، وإذا امتنع الزوج عن بذلها، فإن للزوجة رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة للمطالبة بها وفق الإجراءات المنظمة لذلك.

وللزوجة أيضًا رفع الدعوى في حال تضرُّرها بسبب تعليقها أو هجرها.

كما لها المطالبة بفسخ النكاح عند تعذُّر تحقيق المصالح المرجوة في الزواج، ووقع الزوج في أمور تبيح للزوجة المطالبة بالفسخ، ومن تلك الأسباب:

1- إدمان الزوج على المسكِرات، أو تعاطيه المخدِّرات.

2- العقم.

3- المرض النفسي للزوج، مما يترتب عليه خوف الضرر.

ولا يعني ذلك أن المحكمة ستحكم فورًا للمرأة، وإنما يخضع ذلك للقاعدة الشرعية العامة: (البيِّنة على المدعي، واليمين على مَن أنكر)، كما أن الشيء المُدَّعى به خاضع لتقدير المحكمة وثبوته بوسائل الإثبات الممكنة.

وهذا أمر مهم يجدر التنبه إليه؛ إذ كثيرًا ما يتحدث بعض الناس في وسائل الإعلام أو المجالس أن فلانة حصل لها كذا وكذا من المظالم، وأن زوجها ظلَمها وفعل بها كذا، ولكن القضاء لم يلتفت لها، ولم يأخذ بحقها، بل وقفت المحكمة في صف زوجها، وحكمت له، وربما اتهم القضاةَ بأنهم يقفون في صف الرجال ضد النساء، وهذا يتكرر كثيرًا، وللتوضيح والبيان الموجز أقول:

إن القاضيَ لا يعلم الغيب، ولا يُعقل أن يأخذ القاضي بقول أحد الخَصمين ويطرحَ كلام الخَصم الآخر دون بينة؛ لأن هذا من باب الحُكم بالهوى، حتى وإن كان أحد الخصمين ضعيف الحجة أو ذا حاجة؛ روى مسلم في صحيحه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى ناسٌ دماءَ رجال وأموالَهم، ولكن اليمينُ على المدعَى عليه))، بل إنه – عليه الصلاة والسلام – وهو الذي يأتيه الوحي، ولا ينطق عن الهوى، كان يقول: ((إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم ألحنُ بحُجَّته مِن بعض؛ فمن قضيتُ له بحقِّ أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطع له قطعةً من النار، فلا يأخُذْها))؛ أخرجه البخاري، من حديث عن أم سلمة رضي الله عنها.

فالعبرة إذًا بالبينة الظاهرة التي تثبت الدعوى، ويعجِزُ الخَصم عن إبطالها.

وربما كان أحدُ الطرَفين في الدعوى صادقًا فيما يدعيه، ولكنه يعجِز عن إثبات دعواه، أو لا يحسن المخاصمة، فلا يُحكم له، وربما يُحكَم لخَصمه ببينة يحضرها، أو قرينةٍ يستند إليها، أو يمينٍ غَموس يحلفها.

ولذا كانت الحاجة ماسَّةً إلى حفظ الحقوق بالبينات والتوثيق والشهادة، ومن ابتُلي بخصومة فليحسن المخاصمة والمداعاة فيها، وليستعِنْ بأهل الخبرة في ذلك؛ إذ إن الخصومات تحتاج إلى صاحب بصيرة وعلم وحكمة ومعرفة بطرق الإثبات؛ كي يستطيع إثبات الدعوى، وإنهاء الخصومة في مصلحته.

علمًا أنه لو سلِمَتِ النفوس من الشح والبغي، ولو أنصف الناسُ من أنفسهم، وأدَّوا ما عليهم، لَمَا احتاج الناسُ إلى القضاء إلا فيما ندر، وقديمًا قيل: “لو أنصَف الناسُ لاستراح القضاةُ”.

نسأل اللهَ تعالى بمنِّه وكرَمه أن يهبَ لنا من أمرنا رشَدًا، وأن يجنبَنا مزالق الهوى ومواطن الشح؛ إنه سميع مجيب.

وموعدنا في الحلقة القادمة – بإذن الله – لنشرع في بيان أبرز الأمور المتعلقة بالتقاضي في الحقوق الزوجية وما يُلحق بها.

 

باحثات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *