كوني أنت التحدي

ميسون الدخيل

 

أصبح الزواج لدى بعض الشباب عملية اجتماعية، أو لنقل أصبح واجبا اجتماعيا، يتعامل معه مثلما يتعامل مع فاكهة البطيخ! فإذا كانت حمراء أبقاها، وإذا كانت بيضاء أعادها! المشكلة أنها قد تكون حمراء، ولكن حسب النظارات التي يرى من خلالها عالمه، بيضاء! ولكنه لا يريد أن يتريّث، ولا يريد أن يبذل أي جهد أو تفكير في محاولة لخلع هذه النظارة ليرى الحقيقة كما هي! كل شيء بالنسبة إليه «تيك أوي»، السرعة على حساب الجودة، البضاعة غير التي كنت تتوقعها أو تنتظرها، فارمِها أو أعِدها إلى المصدر! وكأن التعامل البشري أضحى كأي جهاز إلكتروني، بضغطة زر نمحو، وبأخرى نفتح موقعا آخر!

كيف تشعرين اليوم يا غاليتي؟ محطمة، ذليلة، مقهورة، مشتتة؟! هل تركك على باب بيت أهلك كما يترك المرء حقيبة سفر استخدمها ثم أعادها بعد انتهاء حاجته إليها! لم يمض إلا بضعة أشهر على زواجكما، وها هو يعيدك، وكأن البضاعة ليست على مستوى المعايير المطلوبة! لم يحاور، لم يعط أي فرصة للتفاهم، لم يفسر، بل لم يُقِم أي اعتبار لأسرتك أو مشاعرك! فجأة استيقظ من نومه وقرر وتحرك، وبكل وقاحة تجرأ وتصرف، وكأنه المالك الأوحد لمستقبل أسرة! توقفي… نعم توقفي الآن، كل ما سبق يعود عليه وعلى مستوى تفكيره غير الناضج! أما أنت فتذكري أنك امرأة، قد تكونين عادية، ولكنك بقدرات غير عادية! قدرات حباك الله بها، وأنعم بها عليك حتى تستطيعي أن تسيري في هذه الحياة، وتواجهي التحديات التي تظهر في حياتك لأنك امرأة.

عزيزتي ليس من السهل رسم ابتسامة حينما تكونين بين الناس؛ أسرة، أو صديقات، أو زميلات عمل أو دراسة، أن تضحكي وقلبك ينزف، فقط لأنك لا تريدين أن تحملّيهم همّا يضغط على روحك، أو أن تري نظرات الشفقة أو ربما الشماتة في أعينهم! ليس من السهل إخفاء الأذى والألم، ليس سهلا إخفاء روح مكسورة، ولكنك تبتسمين، وتضحكين وتشاركين الجميع تفاصيل حياتهم، سلوكيات قد تصل إلى حيوية غير مسبوقة منك! لكن كل ذلك يختفي بمجرد أن تختلي إلى نفسك؛ تتلاشى الابتسامة وترتمين في حضن سريرك وتبكين! لا تفكرين بكلمات أو سلوكيات، كل ما تعرفينه في لحظتها أنك تتألمين وتتألمين، تشعرين بالوحدة وأنت على يقين بأنك في الغد سوف تقفين من جديد؛ ترسمين ابتسامة وتعيدين بناء الحاجز حول روحك، وبخطى ثابتة تخرجين إلى العالم من حولك، تكرهين ضعفك وتندبين حظك! لكنك لست كذلك، أنت قوية، بل بشكل لا يصدق، وفوق أن يصدق! إن البكاء طبيعي؛ عملية عادة ما نقوم بها حتى نخدع بها الألم، والشعور بالانكسار، وقلة الحيلة طبيعيان أيضا، لأن ذلك ينفعنا لننتفض ونتحرك ونواجه! ضعيفة أنت؟ هنا أعيدي النظر لأنك قد تكونين كل شيء إلا ضعيفة! عادية أنت؟ ربما، لكن بقدرات غير عادية! كوني مثل وصف مايا أنجلو في قصيدتها: «كما الأقمارُ وكما الشموسُ، بيقينِ المدِّ والفصول، وكما الآمال تنطلق عالياً، سوف أنهض، هل أردتَ أن تراني ذليلةً؟ مطأطأةَ الرأسِ خافضةَ العينين؟ بأكتافٍ تنحدرُ كقطراتِ الدموع. موهنةً بتوسلاتي المستعطِفة. هل يغيظك كبريائي؟ هوِّن عليك لا تُمعِنْ في الغيظ، لأني أضحك كما لو أن لدي مناجمَ ذهبٍ، نُقبت في فناءِ منزلي، لكَ أن ترميني بسهامِ كلماتِك، لكَ أن تطعنني بنظراتِ عينيك، لكَ أن تقتلني بكراهيتِك، ولكن مع ذلك، كما الهواءُ، سوف أنهض»، هل تشعرين بعظمة الكبرياء والثقة بالنفس التي تنبعث من بين الكلمات؟ احتضنيها عزيزتي، نعم احتضنيها ودعيها تتسرب إلى روحك، قفي وانفضي الغبار وكالعنقاء انطلقي من تحت الرماد، فما زال تاريخك ينتظر أن تخط ريشتك أسطر الحياة بين صفحاته المشرقة.

لست وحيدة، نعم فالكثير ممن هم حولك يحبونك ويهتمون بك، انظري بقلبك إليهم سترينهم، تواصلي وشاركي بحملك، فهنالك أكتاف تحمل جبالا فكيف بحملك! دعي دموعك تغسل آلامك، أعطيها الفرصة لتمسح الحزن عن روحك، ولكن لا تنغمسي ولا تسمحي لأي ضعف أن يسيطر عليك، فذاك القلب الكسير ما هو إلا ساكن في أضلعك، يحارب من أجلك، ومع كل نبضة يدفعك إلى الشفاء، لا تخذليه ودافعي عنه لا تتراجعي ولا تبتعدي، عودي إلى الحياة، فهنالك من يحبك ويهتم بك، تقدمي وخذي الحياة يوما بيوم، لن يكون الأمر سهلا، لكن ها أنت هنا، والحياة من حولك هنا؛ فيها من يحبك ويعزك، ويراك كنزا، ويراك إضافة تثري حياته، عزيزتي هل ما زال قلبك يهتز، ونبضه يجري في عروقك؟ هل ما زلت تتنفسين وتتحركين؟ إنها الحياة؛ اليوم قد يكون أليما، ولكن الغد يوم جديد، ينتظر بصمتك وحيويتك، نعم اليوم انتظار وغدا تحدٍّ! كوني على قدر الحدث، وقفي وواجهي، فأنت خلقتِ للتحدي.

 

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *