ربة البيت.. أعظم امرأة عاملة

فوزي شداد

 

بدون الاستثناءات التي ترتبط دائمًا بالقواعد العامة؛ فإن البيت هو المكان الطبيعي لعمل المرأة وهو الأصل، وأما عملها خارج بيتها بمقصد مشروع لتلبية حاجة فردية أو أسرية أو مجتمعية فهو الاستثناء، فالتوزيع الأجدى والأمثل للأدوار الاجتماعية بين الرجل والمرأة تكون فيه دائرة نشاط الرجل خارج بيته لتدبير احتياجاته، بينما تكون دائرة نشاط المرأة داخل بيتها ربة بيت قائمة على رعايته.

وتوزيع الأدوار وفق هذه الأُطر لا يمكن بحال اعتباره من باب التمييز بين الجنسين، بل هو نتاج النظرة الواقعية العادلة التي تراعي القدرات والإمكانات والمواهب والملكات والفروق الفطرية والطبيعية بين الرجل والمرأة، ومن ثم وُضع كل منهما في المهام التي تناسبه على الوجه الأكمل، بغية الوصول إلى أعلى نسبة إنجاز – بالمعنى الشامل – للفرد والأسرة والمجتمع، وبدون التسبب في إحداث أي خلل يؤثر على نظام الأسرة والمجتمع وتربية النشء. والترويج بخلاف ذلك يعتبر بمثابة قلب للحقائق وخلط للأوراق، ومجازفة تنذر بعواقب وخيمة على المجتمعات الإنسانية، وما حدث من مظاهر الخلل والانحلال والتفسخ الذي أصاب الأُسر في المجتمعات الغربية لخير شاهد على ذلك.

وإذا كان احترام التخصصات قد ثبت علميًا وعمليًا أنه من أهم عوامل النجاح، فإننا وفي ظل النظرة الواعية لعمل الأم ربةَ بيت يمكن أن نصطلح على تسميتها وفق هذا الدور بـأنها «أم متخصصة» غير مشغولة بوظيفة أو مهمة غير هذه المهمة السامية، إنه التخصص الذي يُمَكّنها من ممارسة فطرتها وتفريغ طاقتها المُؤَهَلة لمنح طفلها حاجاته الطبيعية من الحب والحنان والرعاية الكاملة، وتنشئته وتربيته على القيم والمبادئ والسلوكيات السوية، وكل هذا أساسي خاصة في المراحل الأولى من مراحل تكوين شخصيته، لينشأ نشأة طبيعية متوازنة تنطلق لاحقًا لتؤدي دورها الإيجابي في الحياة، وقد أجمع المصلحون على أهمية دور الأم في هذه المرحلة الحاسمة للمجتمعات البشرية، ولا يمكن أن ننتظر من المرأة نجاحات في هذه المرحلة الحساسة وهي تاركة لبيتها ومشغولة عنه بالعمل في المكاتب والمصانع والأسواق والدواوين بغير ضرورة معتبرة.

ومن الناحية النفسية والحياتية فإن الأولاد من حقهم أن يعيشوا في عشّ هادئ جميل وسكن مستقر مطمئن، كما أن الرجل من حقه أن يجد في بيته الراحة البدنية والنفسية ليتقوى بهما على أداء مهامه والقيام بمسئولياته، وأما المرأة فلن تجد راحة حقيقية سوى في مملكتها بين زوجها وأولادها، وهكذا يكون البيت واحة غناء وجنة للجميع، للرجل وللمرأة ولأولادهما، وهذا له أكبر الأثر في سعادة المجتمع وأمنه واستقراره.

والإنصاف يقتضي أن نعترف بأن عمل المرأة في بيتها ليس بالأمر الهين أو اليسير، كما أنه ليس تعطيلًا لها أو مصوغًا لأن يحرمها دعاة التغريب من توصيفها بأنها امرأة عاملة، فإن قيام المرأة بمهمة أعمال البيت والإشراف عليه ورعاية أسرتها يعتبر بمثابة إدارة شئون دولة مصغرة، ويحتاج إلى التفرغ الكامل والوقت الكافي والذهن الصافي، وهو مجال إن قامت المرأة بحقه وصرفت له ما يستحقه لم يبق معها وقت تصرفه في أي عمل آخر خارج بيتها.

ومن تدابير النظام الإسلامي وحكمته أنه حين كلف المرأة برعاية بيتها وأسرتها قد وفر لها أسباب التفرغ لهذه المهمة الكبيرة، فرفع عنها عبء توفير لقمة العيش ومتطلبات الحياة، وفرض على زوجها الإنفاق عليها وعلى أولادهما، ومن ثم لم يعد لها حاجة فعلية لترك عملها الأصيل في بيتها كي تعمل خارجه وتشتت جهدها وفكرها، فقد كُفيت ذلك كحق شرعي مقابل تفرغها لعمل أهم وأعظم مما يمكن أن تُحصّله من عملها خارج بيتها، وكما قال العقاد: «إن المجتمع الأمثل ليس هو المجتمع الذي تضطر فيه المرأة إلى الكدح لقوتها، وليس هو المجتمع الذي تعطل فيه أمومتها، وإنما هو المجتمع الذي تكون المرأة فيه مكفولة المئونة في أمومتها».

ومن هنا نستطيع أن نقول إن المجتمع المثالي هو المجتمع الذي يُعظّم ويُعّلي من قيمة دور المرأة ربة بيت ولا يحتقره أو يقلل من قيمته، ولا يدفعها إلى غيره بغير حاجة على حساب بيتها وأسرتها.

ولعل هذه الوظيفة السامية للمرأة ربة بيت قد انطفأ بريقها وفقدت الكثير من القناعات بأهميتها وجدواها بسبب حملات التشويه المتعمدة من أصحاب الدعوات التحررية المناهضة لبقاء المرأة في بيتها، حتى بدا للكثير أن مسمى «ربة بيت» فيه دونية للمرأة، وأن دورها سلبي لا قيمة له، وأنها معطلة وغير منتجة ولا يمكن اعتبارها امرأة عاملة تشارك في تنمية مجتمعها مثل التي تعمل خارج بيتها!

ومن كيد هؤلاء أنهم مزجوا هذه المفاهيم المغلوطة بمفاهيم أخرى تحرض المرأة على ترك عملها المنزلي، وتصفه لها بأنه نتاج سلطة ذكورية تستغلها وتسخرها للخدمة بغير أجر أو بدون مقابل، وأنها ضحية للتمييز ضدها وضد مشاركتها في تنمية المجتمع باسم الدين والعادات والتقاليد الموروثة، وتدعوها باسم المدنية الحديثة وتحت مسمى التحرر من الاستعباد إلى ترك دورها الأسري الأصيل والثورة ضد ما تسميه بالأفكار الرجعية البائدة… إلى غير ذلك من الدعاوى التي يطفح منها الشطط والتضليل والمغالطات، فكيف يُحقرون عمل المرأة في رعاية أسرتها وبيتها ثم يُمجدون عملها خارجه بدعوى مشاركتها في تنمية المجتمع! أي منطق هذا الذي يستندون إليه ويعتمدون عليه؟! فكيف تبني المجتمع من تهدم بيتها؟

وإذا كان الغرب ينادي برعاية المرأة والاهتمام بشأنها من منظور إنساني، فإن الإسلام فضلًا عن ذلك قد حرص على العناية بها من منطلق أهمية وعمق دورها في المجتمع ولتمكينها من القيام به على أكمل وجه، فهي حاملة بذور المجتمع، وهي الحاضنة والمربية والأساس في تكوين شخصية أطفالها ونموهم بدنيًا وعقليًا ووجدانيًا وأخلاقيًا، وهبها الله تعالى من الإمكانات والاستعدادات الفطرية ما يمكنها من رعاية أبنائها والتأثير فيهم وتقويم سلوكياتهم، فإذا ما نجحت في رسالتها فقد نجت بأبنائها وبالمجتمع إلى بر الأمان، وأما إذا فشلت فسيكون في ذلك أكبر الأثر والضرر على المجتمع بأسره وليس على بيتها فحسب.

لذا كان الاهتمام بالأم وبدورها في بناء الأسرة والقيام على رعايتها وفق الرؤية الإسلامية العميقة يساهم بشكل صريح ومباشر في تكوين المجتمع الأمثل، وهذه النظرة الثاقبة لم تصل إليها أية أيديولوجية فكرية أو عقيدة دينية.

لقد آن الأوان لإعادة تقييم عمل المرأة ربة بيت بنظرة دقيقة وشاملة ومنصفة، فربة البيت لها كل الحق في أن يعتبرها المجتمع «أعظم امرأة عاملة»، ومن ثم وجب أن تُشرع لها القوانين التي تحميها وتصون كرامتها وتحفظ معنوياتها وتؤهلها وتُرَغّبها في التمسك بأداء دورها الأصيل في المجتمع، وتُحَصنها من مغريات التخلي عنه والتفريط فيه.

وينبغي على المرأة ألا تشغل بالها ولا تعير آذانها لهؤلاء الذين يُغْرُونها لترك وظيفتها السامية، كما ينبغي ألا تنظر لعملها المنزلي على أنه عمل ثانوي لا قيمة له أو أنه امتهان وتسخير لها كما يدعون، بل هو تكليف برعاية أمانة ووفاء بأعظم رسالة، كما ورد في الحديث الشريف: «والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم» (متفق عليه)، ويكفيها راحة بالها وأمنها واستقرارها في مملكتها، وأن الله تعالى سيوفيها أجرها لقاء جهدها والوفاء بما كلفها به من رعاية بيتها وزوجها وأولادها.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *