لا يمكنك أن تكون غيرك

أحمد الفقيه

 

كل واحد فينا يعاني نسبة معينة من ضيق الأفق، ومحدودية القدرات، ونقص الإمكانات، سواء اعترفنا بهذه الحقيقة أم حاولنا إخفاءها، ولا يوجد إنسان يحيط بكل شيء في هذا العالم. وهذه مسلَمات طبيعية ليس هناك حاجة للإقرار أو الاعتراف بها. فهي أصل في التكوين الإنساني، وجزء لا يتجزأ من حقيقته. ولولا وجود هذا التباين بين بني البشر لما كان هناك ميل وراثي إلى حب الاجتماع، فميل الإنسان إلى أن يكون اجتماعياً ويختلط بغيره من الناس، هو غريزة يرثها وتتأصل فيه بالطبيعة، ليعوض بذلك جوانب القصور التي لديه، وعلى الرغم من حقيقة الاختلافات الفردية واستحالة تشابه اثنين من البشر في كل شيء، إلا أن هناك من يحاول مبارزة الطبيعة ليشبه غيره.

يعاني الإنسان أشد ما يعاني عندما يحاول أن يشبه غيره، لأنه عسير عليه مهما حاول أن يكون غيره، فليس إلى هذه الغاية من سبيل. ومن فساد الفكر أن يوهم الإنسان نفسه بأنه ربما ينفك من خصائصه وطباعه وفطرته ليكون هذا أو ذاك. فكل واحد هو هو، ولو طغى عليه الوهم بأنه غيره. ثم إن التأثر بأفكار الآخرين وشخصياتهم من بواعث الشعور لحب تقليدهم. ولكن تبقى الحقيقة التي ربما لا تروق لنا معرفتها، وهي أن الكثير من خصائص الآخرين الذين نحاول أن نكون هُم، لا تتناسب من خصائصنا، وبالتالي لن نكون غير أنفسنا.

إن ما أعنيه ليس مقارنة الناس بعضهم لبعض، أو محاولة طرح المقارنات أو المشابهات، ولكني أعني خصائص الإنسان المستقلة التي تجعله كياناً منفرداً لا يصلح له إلا ما يتماشى مع طبيعته، بحيث لا يجد ذلك الانسجام مع كل ما يتعارض مع خصائصه الشخصية. فكثيراً

ما نواجه في حياتنا نوعاً من الإعضال في فهم علم ما، أو ندرك عدم ميلنا لاختيار سلوك بعينه، ولكنا لا نتأمل هذا الأمر وعادةً ما يمر علينا مرور الكرام.

إننا بحاجة إلى أن نتذكر باستمرار خصائصنا وما تحمل فطرنا، ومن ثم ما يصلح وما لا يصلح لنا. إذ إنه بمعرفتنا لأنفسنا وما يتماشى مع طباعنا، نكون أكثر تصالحاً مع الحياة ومع أنفسنا. وكما يقول الغزالي: إن خروج الإنسان على سجاياه وانفصاله عن طباعه العقلية والنفسية التي لا عوج فيها، أمرٌ يفسد على الإنسان حياته ويُثير الاضطراب في سلوكه.

 

منصة الرؤية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *