أباطيل تافهة

فاطمة المزيعل

 

لا تتشبث بتلك الأباطيل التافهة، وتغرسها في أبنائك منذ الصغر، وتسطح فكرهم وتملأه بالبلاهة والسفاهات، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي ستظهر سلبياتها على سلوكهم، وستتضح اكثر عند الكبر من خلال تصرفاتهم.

ولا تشجعهم على التشاوف و«العنطزة» والاختيال، والتعاظم والاعتداد بما عندهم، ولا تزرع في اذهانهم ووجدانهم دائما، بأنهم وحدهم الاعلى والافضل من غيرهم، بانيا تلك النظرة الدونية في ذواتهم تجاه من حولهم، كي لا ينصب تركيزهم فقط على الشكليات، وتصبح شغلهم الشاغل، ومع مرور الأيام سيعتقدونها المعيار الأسلم لحياتهم، لكنها في الواقع هي دليل واضح يعكس لنا فقر تربيتهم، وعدم توافقهم وتناغمهم وانسجامهم.

بل يفترض ان تعلمهم كيف يغدو المرء في اصيل شبابه، تعلمهم الرضا والقناعة التي لا يرقى إليها الشك، والتي ستورثهم العزة والاعتزاز، تعلمهم الايمان فهو مصدرا لرفعة وتقدم الانسان، تعلمهم المبادئ القويمة وترشدهم إلى الثقافة الفعالة العظيمة، والضمير الحي المتوقد، والتوجيهات القيمة السليمة.

فلقد اودى بنا الحال، إلى ما لا تحمد عقباه، فصار الأغلب حتى في تبادل الزيارات بين الأهل والأقارب أو حتى الاصحاب، بألا تدور نقاشاتهم إلا في ذلك الاطار، والذي عادة ما يكون بين بنات وأبناء الأعمام والعمات، والأخوال والخالات (تيشيرتك بچم؟ ساعتچ ماركة؟ ترى الجوتي اللي انا لابسته «عزكم الله» شريته بالمبلغ الفلاني ! زين بوكك من وين؟ جنطتچ وملابسچ من اي محل؟!….إلخ). وكأنهم بساحة سباق، لكنه سباق ليس كغيره من السباقات للأسف، سباق يحمل نوعا مختلفا من التنافس، يتنافس به (كل مشفوح منهم بشفاحته، بكل تبجح دون خجل او حتى حياء)، نعم فهي «الشفاحة» وتصنع اللكاعة بأم عينها، ولا تفسير آخر ابدا لها.

اهكذا ترتفع قيمتهم يا ترى؟ اهكذا يتطور فكرهم التربوي؟ اهكذا تبنى منهجيتهم في النظر العقلي مع ما تشربوه من قيم؟ وإن كانت تلك الظاهرة المقززة متأصلة في سلوككم ولا يمكنكم الاستغناء عنها، فلا تورثوها لأبنائكم، بل عليكم معالجتها والتغلب عليها، لا ان تجعلوها تتغلغل وتتجذر في نفوسهم.

بل هذبوهم وعرفوهم ان الروح تعني الحياة والنماء، كي لا تجروهم إلى قاع فارغ، بائس وسحيق، يجعلهم يغوصون بجزئيات لا معنى لها، حفزوهم على صعود القمم الشامقة، ورفع الهمم السامقة دون تعال او غرور، ليحلقوا بنضج عقولهم، وصفاء قرائحهم، وبداهتهم، إلى تحقيق الرفعة والفخامة والتقدم والرقي.

قال الشاعر عطا سليمان رموني:

يا من أردت الخير لابنك فليكن عند الصغر

فبأذهان أبنائنا وعقولهم، وبأفكارهم وتصرفاتهم، وبكرمهم وتواضعهم، يرتقي مجتمعنا، وتزدهر نهضتنا، وتنمو علاقاتنا مع بعضنا، لا بأحذيتهم وألبستهم، او حتى بساعاتهم وحقائبهم.

فعندما لاحظ الفيلسوف اليوناني سقراط، في احدى المرات، ان كل تلاميذه قد سألوه فأجابهم إلا واحدا كان متبخترا، متباهيا، متفاخرا بمظهره، التفت إليه سقراط قائلا له: تكلم حتى أراك!

 

الأنباء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *