الالتزام بالقيم الأخلاقية مفتاح نهضة الأمم

د. محمد بن فارس الحسين

 

ليس هناك من شك في أن مسألة نهوض الأمم وتقدمها تشكل التحدي الأكبر في حياة الدول والشعوب، وهذا المضمار هو المجال الحقيقي لإثبات الذات والقدرات وتبيان مدى أصالة الشعوب وطموحاتها وقدرتها حتى على تحويل الهزائم والمحن إلى محفزات للنهوض من جديد، ولنا في مثالي ألمانيا واليابان النموذج في التاريخ العالمي المعاصر لكيفية نهوض أمم من تحت أنقاض وركام الدمار لتتصدر المشهد العالمي في عصرنا في التقدم والنهضة. وحين يبحث العلماء في مصادر القوة الحضارية لدى الأمم والشعوب، فإنهم يشيرون بصفة خاصة إلى أهمية منظومة القيم والأخلاق وقوة الالتزام بها من الصدق والأمانة والإخلاص والإتقان والنزاهة والجدية والتفاني والضمير الحي وقوة الانتماء الوطني، وغيرها من الفضائل الأخلاقية كأساس وضرورة لتمكين أي شعب من السير إلى الأمام في مضمار الحضارة، وهذا ينطبق ليس فقط على الشعوب ولكن على الأفراد أيضا. فالمنظومة الأخلاقية ومدى الالتزام بها تشكل المفتاح دائما في منطلقات الفرد والجماعة أو الأمة.

وعلى سبيل المثال، فإن من أشد المثالب التي تضرب المنظومات الأخلاقية في المجتمع آفة الكذب، فهي من أعظم الآفات التي انتشرت بين الناس، بل إن منهم من يتفنن في الكذب ومنهم من أصبح الكذب كالدماء التي تجري في عروقه وكالهواء الذي يستنشق فلا يستطيع العيش بدونه. ولو تأملنا في واقعنا المعاصر الذي نعيش فيه نجد أن هذه الخصلة أصبحت ظاهرة منتشرة بين الرجال والنساء والخاصة والعامة بل إن منهم من يكذب على نفسه ومنهم من يكذب على الناس ومنهم من يتخذ الكذب سلاحًا له لإسقاط بعضهم من أعين الناس ومنهم من يتخذ الكذب غطاء له حتى لا يعرف الناس حقيقته، والأشد والأنكى من ذلك كله أن تجد ممن يدعي التديّن وحفظه للقرآن وممن يُحسبون على رجال الدين يكذب على الناس ليشتري بدينه عرضًا من الدنيا فذلك أشد وأخطر أنواع الكذب.

والكاذب يقوم بهذا السلوك من أجل تغطية أخطائه والذنب أو الجريمة التي اقترفها من اجل التخلص من العقاب، كما أن الكذب مقترن بالغش والخداع والسرقة وجميعهم نقيض الأمانة. فالكذب عدم أمانة في القول، والسرقة عدم أمانة تجاه حقوق الناس والغش عدم أمانة في نقل الواقع والقيام بتزييفه.

إن الكذب يعتبر سلوكًا شاذا إذا أصبح حالة دائمة واعتيادية وجزءا من شخصية الفرد وأسلوبه في تعامله من الآخرين كما أن كثيرًا من السلوكيات الشاذة الأخرى كالسرقة والتزوير الخداع والغش مصدرها الكذب فهي مبنية على إخفاء الحقائق وتزويرها من خلال القيم بهذه التصرفات الشاذة ومن ثم اختلاق الأعذار الكاذبة.

وللكذب أنواع وأشكال ومنها الكذب الخيالي والذي يستخدمه الكاذب ليروي قصة من وحي خياله لم تحصل في الواقع فتراه يحدّث الناس بواقعة ما يدعي أنها خصلة له أو بخصلة فيه لا يتحلى بها في الواقع.

ومن أنواع الكذب، الكذب الادعائي والذي يقوم من خلاله الكاذب بوصف تجربة له أو حادثة بشكل مبالغ فيه من أجل أن يحصل على إعجاب من حوله ولكي يحظى بالإعجاب والتعظيم من قبلهم وهو ينشأ من شعور الكاذب بالنقص وعدم قدرته على الانسجام مع من حوله.

وهنالك الكذب الانتقامي والذي يقوم فيه الكاذب باتهام غيره بتهم غير حقيقية أو دليل من أجل الإضرار به وهو ما يكون عن الأفراد الذين يغارون من غيرهم أو الذين لا يشعرون بالمساواة مع غيرهم فيلجأون إلى هذا النوع من الكذب. وهنالك الكذب النفعي الذي يستخدمه الكاذب لجلب منفعة ما، فهو يزوّر ويخادع ويسرق ويدلس على الناس من أجل الحصول على مال أو منصب. وهنالك الكذب الدفاعي من أجل دفع العقوبة أو التهرب منها، وهنالك الكذب العنادي الذي يكذب فيه الفرد من أجل السرور والمتعة التي تنشأ من تحدي السلطة المفروضة عليه، ومن أنواع الكذب أيضًا الكذب المرضي والذي يصل فيه الكذب إلى درجة لا يستطيع فيها الكاذب التحكم بنفسه ليوقف هذا الكذب فهو خارج عن إرادته فيصبح مرضًا مزمنًا بحاجة إلى علاج متخصص.

ومهما تعددت أنواع وأشكال الكذب يبقى الكذب من الأمور الممقوتة لكل إنسان صادق، فالإنسان الصادق مهما كان سبب كذبه يشعر بوخزة وبتأنيب الضمير لأنه لم يقل الحق. فكل شيء يبنى على الكذب يكون هشًَّا وكلمة صدق واحدة تستطيع هدم جبال من الكذب مهما علت وكبرت.

قال الله تعالى: «ويل لكل افاك أثيم» الجاثية (آية7)، وقال الله جل وعلا: «إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون». النحل آية 105. لقد حرم الله الكذب وجعله من أكبر الآثام وأبغضها إلى الله سبحانه وهو من المعاصي التي نهى الله تعالى عنها وتوعد فاعلها بالعذاب الشديد بل هو من اكبر الكبائر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور).

كما أن الكذب ليس من صفات المؤمنين جاء في الحديث الشريف (إن المؤمن لا يكذب) بل إن الكذب من خصال النفاق، وصاحبه شبيه بالمنافقين في هذه الخصلة ومتخلِّق بأخلاقهم، فإن النفاق أن يُظهِر أمرًا، ويُبطِن خلافَه، وهذا المعنى موجود في الكذَّاب؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).

وجعل الله للصدق وللكذب علامات، قال صلى الله عليه وسلم (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) فيشعر الصادق بطمأنينة في قلبه بينما يزداد الكاذب ريبة وقلقًا. ويكفي أن نستدل على أهمية الصدق في الإسلام بأن الصدق ورد في كتاب الله اثنين وتسعين مرة، كما أن الأحاديث الواردة في الصدق كثيرة حيث إنها وفقًا للباحثين أربعة وأربعين حديثًا.

ومن أكبر وجوه الضرر في الكذب أن يعتاده اللسان، فلا يستطيع التحرر منه، وهذا هو المشاهد الملموس، الذي عبر عنه الشاعر قديمًا فقال: عوِّد لسانك قول الصدق وارض به إن اللسان لما عوَّدت معتاد. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرنا من ولوج هذا الباب الذي ينتهي بصاحبه بعد اعتياد دخوله إلى أن يكتب عند الله من الكذابين فيقول (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذبَ؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتَحرَّى الكَذِب حتى يكتب عند الله كذابًا))؛ رواه مسلم (2607).

وما من شك أن أي أمة تبتلى بمثل هذه الآفات الأخلاقية لا يمكن أن تقوم لها قائمة لأنها ستغرق في دوامة ما يمكن أن نطلق عليها «الأمراض الأخلاقية» التي تقود إلى انتشار المفاسد في المجتمع، ما يجعله غير قادر على النجاح في أي مجال فينحدر إلى مهاوي التخلف، ويبتعد حتما عن أي أمكانية للنهوض أو التقدم الحضاري.

 

أخبار الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *