نعم أتغير ولِمَ لا أتغير؟

هيا العقيل

 

حين سألني ذاك السؤال اعتقدت في البداية أنه سؤال ذو طابع سلبي، يجب أن أدافع عن نفسي أمامه، وأخذت أردّد أنني لن أتغير وسأبقى كما عهدني وأحبني، وما إلى ذلك من كلام المحبين، لكن العجيب أنني مع مرور الأيام بدأت أكتشف أنني بدأت فعلاً أتغير!

وأن تتغيّر وأنت في سن النضج يختلف تماماً عن أن تتغيّر وأنت في سن المراهقة وبداية مرحلة الشباب، فالتغيّر الذي يرافق مرحلة النضج عميق نابع عن قناعة أكثر منه عن تغير هرمونات أو تأثير فلان وعلان والمجتمع بأكمله، تغيّر متفرّد لا مجال فيه للتقليد، خاصة لذلك الذي فهم نفسه أولاً قبل أي شيء آخر.

تغيّرت بأنني رافقت نفسي أكثر من أي أحد، فهي معي طوال الوقت حتى أثناء نومي، وإن فهمتها وفهمتني فسنكون ثنائياً رائعاً بهيئتي أنا، فلا بدّ أن أرحمها وأدللها ولا أقسو عليها.

أصبحت أقدّر معنى الوقت أكثر، ومعنى الصحة، ومعنى الأهل، ومعنى العائلة، ومعنى الحياة بأكملها.

أصبحت أصمت في مواقف كانت تشعلني غضباً في الماضي ليس ضعفا، بل لأنني بتّ أكثر قوة في السيطرة على مشاعري وانفعالاتي.

أصبحت أماً فتغيرت، وأصبحت أكثر انشغالاً فلا متسع لكثير من الوقت لنفسي، فنفسي أصبحت كقطعة حلوى موزعة بينهم وأحاول أن أحتفظ بقطعتي فلا يأكلها أحد غيري.

أصبحت أكثر صبراً عن ذي قبل على الأقل لو قارنت نفسي بنفسي

أصبحت لا أصدق مقولة شخص واحد و لا وجهة نظر واحدة

لا أتعاطف مع أحدهم بسهولة، ولا أتنازل عن حقوقي بسهولة أيضاً بل وإن استدعى الأمر أطالب بها؛ لأنك ستتوسل للحصول عليها بعد فترة إن أنت تنازلت عنها!

أصبحت أفكر بقصر الحياة، أفسر الطبيعة بعينيّ أنا، أستمع أكثر وأستمتع أكثر، تعلمت أن الاعتذار عن الخطأ قوة وليست إهانة، وأن أعامل الناس بما يظهرونه ولا شأن لي بما يخفونه فهذه حدودي، والباقي عند خالقنا.

أصبحت أقل اندفاعاً في بعض الأمور، ما عاد يزعجني النقد كما كان، فهمت معنى الحديث النبوي بأن الصبر بالتصبر والعلم بالتعلم والحلم بالتحلم.

تغيرت بأنني كنت أهتم للناس من حولي كثيراً، أما الآن فاهتمامي فقط لمن هو ضمن اهتماماتي، وما غير ذلك، فإما مجاملة لأجل رحم، أو أجر، وإما قطع ومع ألف سلامة.

تغيرت بأنني أصبحت أنام أقل وأحلم أكثر، لكن وأنا مستيقظة، بأنه بعد أن كان هناك وقت فراغ في يومي أصبحت الآن أسترقه سرقة، تلك السرقة المشروعة المحببة في شريعتي أنا، بأني كنت أرتعش خوفاً بل بالأحرى قرفاً من الصرصار هذه الحشرة التي كان يقشعر لها بدني، أما الآن فأصبحت أضربه بأي شيء أمامي بكل ما أوتيت من قوة، وأنا نفسي التي كنت حين أراه أقفز وأصرخ وأنادي أبي أو أخي ليتخلصوا منه فينفجروا بالضحك على شكلي وتعابير وجهي وكأني رأيت ديناصوراً لا صرصاراً.

نعم أتغير ولماذا لا أتغير؟!

أتغير لأكون اليوم أفضل، لأكون اليوم أقوى، وفي المستقبل أقوى وأقوى بإذن الله، نعم أتغير ولمَ لا أتغيّر؟! وملامح وجهي تتغير، وسنوات عمري تتغيّر، وشعر رأسي يتغيّر، وخلايا جسدي تتغير، وكل من حولي يتغير وإن لم يكن داخلياً فعلى الأقل خارجياً، ودورة حياتي منذ أن كنت لا شيء إلى أن استقررت في رحم أمي تتغير وتتبدّل، وعقارب ساعتي في يدي تتغيّر.

نعم أتغير ولم لا أتغيّر؟! والطبيعة حولي كلها تتغير، فصول السنة من حولي تتغير، وأوراق الشجر تتغيّر، وبذور الأرض تتغير، التغير الذي يجعل من البذرة شجرة، والنطفة إنساناً، وحبة المطر بحيرة.

تغيرت بأن فنجان قهوة كفيل بأن يرمم عقلي ويجدد روحي ويحلّق بي في أحيان كثيرة إلى تخيّل الأجمل في كل شيء حولي، أصبحت أستمتع باللحظة أكثر؛ لأني أيقنت أنها ستغدو بعد وقت قصير من الذكريات قدّرت الطفولة في الأطفال، والحكمة والكهولة في الكبار، والاندفاع في الشباب، وفهمت أنها مراحل نمر بها جميعاً وتحتّم علينا أن نتغيّر.

نعم بالتأكيد سيأتي يوم لن أتغير، لكن عندها لن يراني أحد؛ لأني سأكون عندها تراباً تحت التراب، عندها فقط لن أتغيّر!

فأن تتغير إنما يعني أنك حيّ، أنك حياة في هذه الحياة، أنك مبادر ولست فقط متلقياً، وعندما تتوقف عن التغيير فأنت حينها ميت وإن كنت في نظر نفسك حياً!

أن تتغيّر نحو الأفضل هذا هو التغيّر المنشود والمطلوب والإيجابي والمحمود لإعمار هذا الكون.

وفي النهاية أدركت معنى أن يسألك أحد ما يحبك بصدق: “هل ستتغير؟” فهو يعني بذلك أن أرجوك تغيّر لكن للأفضل دائماً وللأفضل فقط!

وكما قال الدكتور سلمان العودة: لماذا لا أتغير؟ التغير هو التعلم الذي يساعد على مواكبة الجديد، على الانتقال من التبعية والتقليد إلى الاستقلال والاجتهاد والاستجابة للفطرة؛ حيث الكون كله يتغيّر.. نعم أتغير لأنني لو قلت في الأربعين ما كنت أردده في العشرين، فمعناه أن عشرين سنة من عمري ضاعت سدى!

 

هاف بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *