نصف جميل

إيمان شاهين

 

نرددها دائمًا «السمار نصف الجمال» لكن أشعر أنها أقرب للمواساة منها إلى التغزل أو المدح، فمن تعاطينا مع ما حولنا عرفنا أن كل ما هو أبيض فهو جميل، أما ما هو أسمر أو أسود فهو نصف جميل ولا أعلم هنا إذا كانوا يقصدون بنصف الجمال نصف كل الجمال على الوجه المعهود أم نصف جميل أي ليس بجميل كليةً.

فقد جرى تصنيف الناس حسب لونهم لا حسب معايير أسمى من ذلك، فمن بين الناس من يوصف بالجميل الوسيم الأبيض والأشقر… إلخ. ومن يوصف بالأسود الأجعد ومتتالية من الصفات الدالة على عدم الاستحسان. لكننا نحن البشر إذا كانت لدينا القدرة على النفاذ إلى عوالمنا الداخلية لتكشّف لنا عوالم من الجمال الحقيقي. فقد يكون من لا يملك قدرًا من الجمال المادي الفاني يحمل قلبًا إنسانيًا، وذو الجمال المادي يحمل قلبًا حيواني الطباع غير آدمي. ولو تجلت لنا الروح البشرية أو لو كانت ذات شفافية لما يحمل قلب من تسكنه لكان التصنيف مختلفًا. ولو كانت الوجوه مرايا لما في القلوب لوجدنا انعكاسًا جميلًا كجمال يوسف الصديق أو لوجدنا وجهًا قبيحًا كوجه إبليس اللعين.

دعونا لا نصنف الناس بالقبح والجمال فكل جميل جمله الله وكل قبيح… هل نقول قبحه الله؟! والله – عز وجل – يقول «لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» ورسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – يقول «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» فالله – جل في علاه – لم يخلق أيًا منا قبيحًا بل هو اختلاف في صورة الإنسان فدعونا نتصف بصفات ربانية ولا ننظر للوجوه بل إلى القلوب. فلكل قلب طريقته الخاصة في أن يكون جميلًا.

وأتساءل دائمًا من الذي زرع فينا مقياس الجمال ورواها بأوصاف عنصرية، فالصغار يجدون طريقهم إلى قلوب بعضهم البعض باللعب والمرح من دون التفرقة أو تمييز نابع من دواخلهم لكن متلازمة التفرقة والتصنيف تأتي من مصادر خارجية. فهم أقوى تمثيل للفطرة البشرية في أنقى صورها، إلى أن يكبروا ويسمعوا من حولهم يقول هذا جميل لأنه ذو مواصفات أوروبية والآخر قبيح لأنه ذو مواصفات زنجية. ولن نذهب بكم بعيدًا فدمى الأطفال تأتي على شكل فتى أو فتاة Blond، ذي أو ذات شعر أشقر وعيون زرقاء لأن هذه الأوصاف هي رمز الجمال المادي. لكن دعونا نقلب الصورة لدمية ذات شعر أجعد، أسود وبشرة سوداء هل سننظر إليها على أنها شيء جميل مستحسن؟ بالطبع لا لأن هذا ما تشربنا من ثقافات ليست فقط قومية، بل وعالمية أيضًا، تقدس الجمال الظاهري.

ومن الروائع الأدبية التي تناولت هذه الثيمة بالتحديد رواية الكاتبة الأفريقية توني موريسون «The Bluest Eye» المترجمة إلى العربية بعنوان «أكثر العيون زرقة». فالبطلة الصغيرة الأفريقية الأصل تسعى جاهدة للحصول على عين زرقاء حتى تكون حسناء كالبيض ولا تعامل بتمييز وعنصرية. فالكاتبة تشير في روايتها إلى أن استخدام البياض مقياسًا للجمال قد قلل من شأن السود الأفارقة وجعلهم يأتون في تصنيف أدني من البيض.

وأنا هنا لا أدعو إلى التقليل من قيمة الجمال وكل متصف به، «فالله جميل يحب الجمال». ولكن دعونا ندع معاييرنا الشخصية والاجتماعية للجمال خلفنا ونتطلع إلى معايير أخرى إنسانية وأخلاقية. ولننظر للجميع بعين الحُسن والإحسان لا بعين التمييز والعنصرية فكفى ما أتى على البشرية جراء تلك التصنيفات. وتجدر بنا الإشارة إلى ما عاناه الأفارقة من استعباد وقتل من قبل الأوروبيين الحِسان! ورؤيتهم لهم في مرتبة أقل وأدنى من أن يعاملوا كبشر. فعار على البشرية مهما تقدم بها الزمان أن تظل واقفة في نقطة سوداء من الماضي.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *