بين الفكر والأفكار!

د. ملحة عبدالله

 

الفكر تراكم ثقافي وبنية معمارية للمعرفة والثقافة، يُصقل عبر السنين فلا يتأتى إلا بشق الأنفس.. أما الأفكار فهي في متناول الجميع تطرح وتسمع على المقاهي وفي جلسات السمر، وفي المنتديات والملتقيات والمؤتمرات، وتتداول بشكل جماعي وبصوت عال..

لم تعد حرية الرأي في بلادنا مجرد رفاهية، وإنما أضحت ضرورة تواكب ما تمر به بلادنا من تطور ومن تحديث ومن نهضة أدهشت العالم، وتواكب تقدم هذا العصر وآلياته واندماجه في بوتقة الحراك الفكري العالمية. لكن فهم المصطلح لا يزال يشكل معضلة في الذهنية العربية، فأساء البعض منا فهمه، أو قلْ أساء استعماله كيفما يتراءى له مقتضى الحال! وهو منعطف خطير يهلك صاحبنا ويهلك أفكاره ويجعل البعض يصم عنه الآذان، ويجعل ذاته تسبح في موج هادر من التضخم والمكابرة!، لأنه استخدم حقاً يصب في معين الآخرين، فتباينت الرؤى واختلطت المفاهيم حول مفهوم الفكر والأفكار! فالفكر تراكم ثقافي وبنية معمارية لهذه المعرفة والثقافة، يُصقل عبر السنين فلا يتأتى إلا بشق الأنفس بذوبان سنين العمر في جمع حريره من فوق شوك المعاناة.. أما الأفكار فهي في متناول الجميع تطرح وتسمع على المقاهي وفي جلسات السمر، وفي المنتديات والملتقيات والمؤتمرات، وتتداول بشكل جماعي وبصوت عال، فكما يقول المثل: الأفكار على قارعة الطريق فتصادر على فكر المفكرين حتى تصل إلى حماقة التشابك بالأيدي إن لزم الأمر في تقابل مهين ومرفوض في زمن الفوضى الفكرية!

والحقيقة أنه أصبح مرضاً عضالاً عندما تجنح الأفكار للمصادرة على الفكر وبينهما بحر واسع من المعاني والفهم العميق، فلماذا هذا الادعاء بامتلاك المعرفة، وهي من يفني الإنسان عمره في البحث عنها.

ولنا أن نتساءل: هل هذه الظاهرة التي أصبحت سائدة نتاج طفرة ثقافية ضحلة غير متعمقة؟ أم أنها نتاج اتساع أفق شذرات معلوماتية ضارة كونها لم تكتمل؟

وأعتقد أنها لا هذا ولا ذاك، وإنما نتاج ثقة قد تكون زائفة فيما نتلقاه من معرفة بدون استخدام ما يسمى بالذهنية الناقدة، حيث عرض الفكرة على العقل وفحصها ومقارنتها وتحليلها ثم تفسيرها ثم جاهزيتها حسبما كانت النتيجة.

نحن أصبحنا نأخذ المعلومة مسلمة كأن لا شية فيها! وهذا خطأ في طريقة تفكير قد تجذر فينا، لأننا لم نتعلم ونتدرب في مدارسنا على ذهنيتنا الناقدة كأداة من أدوات التفكير، فأصبحت على غير جهازية النطق بالحكم.! (آن الأوان أن يمد أبو حنيفة رجليه)!

مقولة متوارثة بعدما نسمع النقاش بين البشر في الأمكنة وفي الفضائيات وحتى المؤتمرات هي ظاهرة باريدولية انتقلت من مقامها كمصطلح إلى مقام السيطرة؛ وهذا أمر جد خطير حتى تسلل الأمر بين الأسرة الواحدة!

إنها الباريدوليا الفكرية كما عرفها ديفيد هيوم: «يوجد بين البشر اتجاه سائد وموحد في تصور الأشياء ينتقل من السلف إلى الخلف، هي سمات يكونون على معرفة ووعي تام بها، كأن نتخيل فيُنسب ذلك إلى الخبث أو النوايا الحسنة في كل شيء يضرنا أو يسعدنا».

هذه الظاهرة تظل سمة أو طريقة من طرق التلقي، ولكنها تصبح خطيرة إذا ما اتخذت طريقها إلى أسلوب التفكير وإلى طرح الرؤى والتي أصبح صاحبها شديد المصادرة والتشبث فيما يراه!

قد يصبح هذا الأمر مقبولاً في قراءة لوحة تشكيلية أو التخيل الفني، إنما لا يصبح أبداً مقبولاً في الأمور التي تعتمد على الحقائق والقياس الفكري والعلمي، لأن ذلك لا يخص فرداً يسمح لنفسه بالخيال والتصورات – التي تتطور لكي تصبح حقيقة بالنسبة له – وإنما تخص بنياناً اجتماعياً وسياسياً ومستقبل أجيال قادمة دونما نحسب حساباً لذلك!

إنه نوع من الوهم أو عدم القدرة على الإدراك والذي ينطوي على حافز غامض أو مُبهم تبدو فيها الأشياء على غير حقيقتها بجلاء، وفي الظروف العادية، يوفر تفسيراً نفسياً لكثير من الأوهام المستندة على الإدراك الحسي حينما تتسرب إلى الفكر وتقلب هذا الوهم إلى حقيقة يدافع عنها حاملها باستماتة مطلقة، حينها يصعب إقناعه، ويصعب عليه تقبل أي أفكار غير ما هو حاملها وغير ما هو متخيله، فهو أصبح يرى أن كل شيء مغاير لما يطرحه ضرباً من ضروب الوهم.

يقول كارل ساجان إن عدم المعرفة الحقة ينتج عدم كسب قلوب الآخرين، فحين لا يتعرفون على الوجوه لا يبتسمون لها لعدم التعرف عليها. وهو ما نلحظه من بخل الوئام الحقيقي الذي تفشى بين البشر على عكس ما كانوا عليه من فطرية وبراءة ومحبة نتيجة أيضاً لاختلاف الأفكار، وقد كان آباؤنا يقولون إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية! فأين ما أوصانا به أسلافنا وورثه عنا العالم المتحضر؟!

أذكر أن توفيق الحكيم قد عالج هذه القضية في مسرحية بعنوان «نهر الجنون» وهي: كان هناك نهر من شرب منه أصابه الجنون، فشربت منه الخلائق سوى حاكمهم، ومن هنا أصبح عسيراً عليه الالتقاء معهم أو محاورتهم مما اضطره أن يشرب هو من ذلك النهر لكي يتسنى له الالتقاء حتى لو كان جنوناً؛ لأن من جمح بخياله وتخلى عن عقله يصعب إقناعه.

كنا نُجل العلماء والعلم والمعلمين ومن هم أكثر خبرة وفهماً وعلماً ومعرفة، أما في يومنا هذا فأصبح كلٌ يرشح نفسه عالماً وخبيراً وفقيهاً حسبما تهيئ له مخيلته، ويحدث الصدام الفكري الذي استشرى على الساحة العربية برمتها!

 

الرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *