ارفع عتبة الألم

نجلاء دويب

 

يُعرّف مصطلح رفع عتبة الألم في الطب بكونه الحد الأقصى الذي يستطيع فيه الإنسان تحمل ألم جسدي معين، فعندما يتم تجاوز هذه العتبة عندها نحس بالألم. من جهة أخرى، فالأحاسيس والتجارب والحوادث التي عاشها وخاضها الشخص في حياته، تؤثر بشكل مباشر على الدماغ وعلى قابليته في تخفيف أو تضخيم الألم، كونها تؤثّر على مدى حساسيته وردّة فعله تجاه ما يؤلمه.

دعونا الآن من الجانب الطبي، هل فكرت في رفع عتبة تحملك لفواجع ومصائب الحياة؟ لا أظن، ولكنك حتما فكرت بمدى الأذى النفسي الذي يمكن أن تشعر به إذا سرقت منك الحياة شخصا عزيزا عليك؛ أمك، أباك، أحد إخوتك أو صديقا مقربا جدا، فكرت بمدى الخيبة والبؤس الذي ستحس بهما بعد فشل عاطفي وفراق حبيب بنيت معه أحلاما وقطعت معه وعودا، وخيل لك أنه لا حياة بعده ومن دونه، أو تجربة طلاق، أو خسارة مشروع علَّقت عليه جميع آمالك وأموالك. لعلك فكرت في كل هذا وأكثر، وقلت في قرارة نفسك: هل بإمكاني فعلا تحمل هذا ما إذا حصل؟ كيف سأستطيع مواجهته؟

أَعلَمُ جيدا أن هناك من حباه الله بالحكمة والسداد لتجاوز العديد من المحن وتقبل قضاء الله وقدره كيفما كان، كما أن هناك أيضا من يعيش مجمل حياته خائفا مما قد يخبئه له المستقبل، فيتجنب مثلا خوض أي تجربة جديدة خوفا من الفشل، تؤرقه فكرة فقدانه لعزيز أو قريب، ترهبه احتمالية خسارته لمشروع خطط له وتعلق به، يخيفه مجرد تصوره الوصول إلى الطلاق بعد زواج أسس له وحلم به. أنا لا أستهين أبدا بقساوة ما يمكن حصوله من كل الذي ذُكِرَ وأكثر، ولا أعني أن تتجرد من أحاسيسك ومشاعرك تجاه ما تعلق به قلبك وفكرك أو تستصغره وتستسهله. أنا أريد منك أن ترفع عتبة الألم!

عندما ذكرت لك دور الدماغ في تخفيف أو تضخيم الألم، فهذا يعني أنك المتحكم الوحيد في كل ما قد يحدث لك، أنت الذي تملك مفاتيح رفع عتبة ألمك إلى أقصى حد ممكن لك تحمله. يجب عليك أن تدرب نفسك وتهيئها على أن الحياة تجارب وتحديات، والتحديات يمكن أن تكون على هيئة ابتلاءات أحيانا. الصعوبات التي يمكن أن تواجهها في حياتك لم تصبك في الحقيقة لتكسرك، إنما قد أصابتك لتقويك، لتعلمك، لتصقلك، ولتصنع منك شخصا أكثر قوة، وتخرج ذلك الجانب الخفي فيك الذي لن تكتشفه أبدا وأنت في الرخاء والسراء. أَعلَمُ أنك لن تستطيع استيعاب هذا الكلام الآن، أو لعلك تقول إنه كلام عام وسطحي لا يقدم ولا يؤخر، لكنني أؤكد لك أنك ستُصدقه يوما ما، يوم ستجد نفسك تجاوزت ما ظننته هو نهايتك، يوم ستقتنع بمحض إرادتك أن الحياة تستمر بالرغم منا ولا تقف على أشخاص فقدناهم، وأن النسيان نعمة ورحمة.

حاشا لله عز وجل أن يحملنا أكثر مما تطيقه أنفسنا، تذكر قوله تعالى في كتابه العزيز “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”، فكل ما قد يصيبك له حكمة لا يعلمها سواه، أو لعل الحكمة فيها هي رفع عتبة ألمك لتستطيع مواجهة شدائد الحياة وتخرج من حفرتك ومنطقة راحتك التي خلقتها لنفسك. صدق من قال إن الحياة كمفاتيح البيانو -بيضاء وسوداء- والموسيقى الجميلة التي تسمعنا إياها هذه الآلة ما هي إلا مزيج من هذه المفاتيح، كذلك هي الحياة؛ لا تخلو من الحزن كما لا تخلو من الفرح، وبامتزاج هاتين الحالتين يُخلق ما يسمى بنغم وحلاوة الحياة.

لا تخف من الفشل، لا تخف من المحاولة والتجربة، فما الفشل إلا دليل على محاولتك النجاح. من كان يعلم أن هناك حكمة من فشلك الأول، أو أنك لم تكن لتكتشف خبايا نفسك وقواها لو نجحت من الوهلة الأولى. اعلم أنه من أَلِفَ النجاحات دائما لن يستطيع تحمل خسارته لشيء يوما ما، فمن الضروري دائما أن نربي أبناءنا على أن الحياة ربح وخسارة، على أن الرياح يمكن أن تجري بما لا تشتهي السفن، وعلى أن لكل جواد كبوة.

لا تفكر أبدا أن حياتك يمكن أن تتوقف على شخص معين، فالحياة مستمرة بنا أو سوانا. ذكر نفسك دائما بحقيقة أننا فقط نزلاء في هذه الدنيا وأنه لا أبدية هنا إلا في حياة أخرى لا يعلمها إلا الله. تذكر أيضا أن الحياة قصيرة وتستحق فعلا أن نناضل من أجلها وأن نكافح من أجل الوصول إلى أحلامنا وأهدافنا. تسلح بالإيمان، استغل كل دقيقة مع من تحب، مع أهلك، مع أصدقائك، عش لحظات السعادة بكل جوارحك، ثابر للوصول إلى أهدافك، اعمل، اجتهد، اغتنم الفرص، درب نفسك على تحمل الشدائد، عود نفسك على تقبل الخسارة والفشل، علم نفسك كيف تتخطاها في حال حصولها، اصنع من نفسك ذلك القوي الذي لا تردعه مطبات الحياة ولا تثنيه نفسه عن المحاولة ثانيا وثالثا وعاشرا، ذلك الذي لا يحبطه كلام الجارحين وضعاف النفوس.

كم من شخص بقي محصورا منزويا في مكانه خوفا من ردة فعل الآخرين حوله، أو مما قد يسمعه من استهزاء أو تنقيص. ارفع عتبة الصد، عتبة التغاضي، عتبة اللامبالاة، اجعل من كلامهم القاسي دافعا، اجعله محفزا لتثبت لهم العكس، ولنفسك أيضا. حَوِّلْ كلامهم إلى طاقة تدفعك إلى الأمام وتُخرِج أحسن ما عندك، لا إلى مكابح تشل وتبطل حركتك. تذكر أيضا أن العقبات التي ستواجهك هي شر لا بد منه، وأنك تستطيع التغلب عليها بالعمل والتطبيق لا بالقول فقط. وكما قال الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله: “عش كل لحظة وكأنها آخر لحظة في حياتك، عش بالأمل، عش بالكفاح، عش بالصبر، عش بالحب، وقدر قيمة الحياة”.

 

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *