التأمل بين الفكرة والمعلومة

أحمد الفقيه

 

يقول الجاحظ في إحدى رسائله: سعة الاطلاع والاستكثار من المعلومات مطلبٌ لبلوغ مدارج العلماء، لكن ذلك وحده لا يكفي طالب العلم للرسوخ في العلم والارتياض به، بل لا بد أن يتخلل أعطاف التحقيق بتأمله وتقليبه المعارف على صفحات عقله من دون فتور ولا ملل. فجوهر المجاهدة في طلب العلم ليس في أطر النفس على قراءة أكبر قدر من الكتب، بل في أطرها على التحنث في محراب المعاني الغائرة والإشكالات المرهقة. فمن البيَن أن المادة المقروءة أقرب للرسوخ في الذهن إذا ما صاحبها تأمل وتفكير، وأحرى بأن تلتصق بالذاكرة.

هذا فضلاً عن حُسن التصرف بها واستعمالها. فقد نقضي من الوقت قراءة وبحثاً ما مقداره ليالٍ وساعات وهي جزء من أعمارنا، ولسنا متأكدين أهناك حصادٌ لهذه الليالي أم أن حصادها قد انتهى في حينه.

إن العقل لا يرتقي بجمع المعلومات ومطالعة الكتب وإنما يرتقي بما في تلك الكتب من أفكار. وليس الأفكار وحدها، بل حُسن التصرف بها. فما فائدة الفكرة إن لم تحمل صاحبها على تجاوز ما هو عليه. وإذا كانت الذاكرة تزداد توسعاً بالمعلومات المُجمعة، فالعقل تتسع مداركه بالأفكار. إذ إن المفارقة الكبيرة بين تحسن سلوك المرء ورقيَه يكمن في تأمله لا في جمعه للمعلومات. فالتأمل مشروع فكرة والاطلاع المجرد مشروع معلومة. وتأمل ساعة خير من قراءة ليلة، والقراءة بلا تفكير لا توصل إلى شيء من العلم والمعرفة كما يقول ابن باديس. وأن تقرأ كتاباً ثلاث مرات أنفع من قراءتك ثلاثة كتب، كما يقول العقَاد.

إن جوهر القراءة هو استخلاص المعاني والأفكار من بين السطور، ومن بطون الكتب. أما المطالعة جرياً خلف تحصيل المعلومات والاستكثار منها، فحريٌ أن تنفخ رأس المرء مع عجزه عن الانتفاع بها. ولما كان قد استقر هذا المفهوم عند أساتذة الفن والعلم، كانت الفكرة هي الغاية والمعلومة وسيلة لها.

فالتأمل يكون باستعمال الفكر للغوص في المسائل وزرع الاستشكال وربط المعاني بعضها ببعض. وهذا هو طريق الباحث عن الفكرة لا المعلومة. وهو بذا يستعين بإمعان النظر واستعمال الفكر مبتعداً عن النظرة الأولى والحكم السريع والخاطر الأول. إن الفكرة غاية والمعلومة وسيلة لها. والآفة التي نعانيها هي الاستكثار من حشو العقل بالمعلومات والمصادر مؤثرين ذلك على الأفكار واستثمارها.

 

منصة الرؤية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *