قضية العضل حرمان بين غياب الوعي وتعنت الأسر

منذ زمن قديم كان الأب أو ولي الأمر يمنع المرأة من الزواج لأسباب غير منطقية ولا مبرر لها، ووجدت ظاهرة العضل في المجتمعات العربية التي ارتبطت بعاداتها وتقاليدها، غير أن موجة الحضارة التي أرسى الإسلام قواعدها، والتي تضمنت تشريعاً مكتملاً فيما يتعلق بحقوق المرأة، غابت تلك الظاهرة بشكل غير كامل، إذ أنها بقيت جزء من سلوكيات المجتمع في بعض الدول العربية.

منذ زمن قديم كان الأب أو ولي الأمر يمنع المرأة من الزواج لأسباب غير منطقية ولا مبرر لها، ووجدت ظاهرة العضل في المجتمعات العربية التي ارتبطت بعاداتها وتقاليدها، غير أن موجة الحضارة التي أرسى الإسلام قواعدها، والتي تضمنت تشريعاً مكتملاً فيما يتعلق بحقوق المرأة، غابت تلك الظاهرة بشكل غير كامل، إذ أنها بقيت جزء من سلوكيات المجتمع في بعض الدول العربية.

في واقعنا الحالي نشهد عودة تلك الظاهرة مرة أخرى بشكل كبير في صفوف بعض المجتمعات العربية، التي تعتبر نفسها امتداداً للحضارة الإسلامية التي تشمل منظومة حقوقية وأخلاقية متكاملة فيما يتعلق بحقوق النساء، وذلك يخلق سؤالاً كبيراً حول حقيقة تلك الظاهرة فيما إن كانت قد انتصرت على قيم الإسلام لتظهر مرة أخرى وبقوة في مجتمعاتنا الحديثة، أم أن المجتمعات العربية لم تعد حقاً امتداد لتلك الحضارة رغم أنها لا زالت تحمل نفس المنظومة القيمية التي جاء بها الإسلام ؟!

يشير كثير من الخبراء والمتخصصين في دراسة هذه الظاهرة، أن عودة هذه الظاهرة لا يعني انقطاع الرابط بين المجتمعات والمنظومة الأخلاقية الإسلامية، بقدر ما يعني غياب الوعي أثناء ممارسة السلوك المجتمعي، والذي مع تقادم الزمن أصبح يقتبس شرعيته من العادات والتقاليد أكثر من منظومة القيم الإسلامية.

نناقش في السطور القادمة جذور هذه القضية وظواهرها وآلية حلولها.

جذور وأسباب العضل

بداية ما هو العضل؟

العضل في اللغة: المنع أو الحجب أو الإعاقة، وفي الشرع: منع الأب أو من ينوب عنه كالأخ الأكبر أو الخال أو العم البنت من أن تتزوج بمن ترغب، مع انعدام الأسباب المنطقية لذلك المنع لدى ولي الأمر، وهو نوع من أنواع الظلم الذي يطال المرأة، ويكون المنع هنا بناء على تمسك الأب أو من ينوب عنه بعادات بالية وتقاليد ليست من الشرع، أو نتيجة لأهواء شخصية وأغراض دنيوية لدى ولي أمر الفتاة كالرغبة في الحصول على راتب المرأة التي تعمل، أو انتظار من يدفع له مهراً أكبر .

يوجد أسباب كثيرة لانتشار هذه الظاهرة في بعض المجتمعات العربية، وترى الدكتورة طلحة حسين فدعق اختصاصية علم الاجتماع وباحثة في قضايا المرأة والشباب بجامعة أم القرى أنه لا يمكننا النظر إلى قضية عضل المرأة بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي السائد والمتضمن للقيم والأعراف والتقاليد الاجتماعية، إضافة إلى التشريعات والقوانين، وأيضا وعي المرأة بذاتها وحقوقها، وقبل ذلك اقرار المجتمع بحقوق المرأة وتأطيره لتلك الحقوق بسياج من القوانين والضوابط التي تحميها وتمنع التعدي على حقوقها، ولأن بعض المجتمعات العربية لا زالت متأثرة بشكل كبير بالعادات والتقاليد لا زالت تلك الظاهرة منتشرة، وتؤكد على أن الحالات الحقيقية  لقضية العضل والتي لم تظهر للعلن  هي أضعاف الرقم المعلن، لأن معظم النساء في المجتمعات المحافظة رفضن البوح بمثل تلك المشكلة.

ويضيف الاختصاصي الاجتماعي ومدير وحدة الحماية الاجتماعية في حائل فهد العتيبي، أن السبب الرئيس وراء العضل هو جشع بعض الآباء، الذين يلقون بالمسؤولية على عاتق بناتهم لتسديد ديونهم، كما ترفض بعض الأمهات تزويج بناتهن من أجل الإنفاق على بقية الإخوة، والقيام بأعمال المنزل وخدمتهن، وهذا فيه ظلم للفتاة، لذا يجب أن تكون هناك توعية للمجتمع بأخطار العضل، وأن الفتاة من حقها أن تتزوج الشخص المناسب، وفي حال رفض الأهل تكون ولايتها للقاضي.

ومن وجهة النظر القانونية يعلق المحامي هاشم كوشك: بأن أسباب العضل متعددة، ومن خلال القضايا التي تصلهم ترتبط معظمها بذريعة ابن العم، لكن النسبة قلت كثيراً على ما كنت عليه من قبل، وأشار إلى أن إحصائية وزارة العدل تؤكد تقلص مثل هذه القضايا، وأكد على أن نتائج القضايا التي ترفع إلى المحاكم تنتهي بقرارات تلزم  الولي بتزويج الشاكيات، أو عزله عن ولايتها إن كان غير الأب، أو قيام القاضي بالولاية باعتبار أنه ولي من لا ولي له، ويقوم بإبرام العقد مع مَن يراه صالحاً للقيام بالأعباء الزوجية ومسؤوليتها،
وأوضح أن العاضل في الغالب يكون الأب، للجهل بأمور الدين، والبعد عن التعليم، وأكد المحامي كوشك أن كثيراً من الولاة يعتبر شكوى الفتاة أو رفع قضية ضد وليها تمرداً عليه، ومحاولة لفضح شؤون الأسرة، وهذا غير صحيح، فالمرأة مكون رئيسي للأسرة، وهي نصف المجتمع، ولها حقوق كاملة غير منقوصة، وعليها واجبات، وأضاف: أمام ذلك يلجأ الولي أو العاضل، إلى ادعاء عقوق الابنة و هنا تأتي فراسة القاضي لكشف حقيقة الادعاء المضاد، وأسبابه ومن ثم إنصاف الشاكية من الظلم الواقع عليها.

تجارب من الواقع

تؤكد نهى فؤاد (محاسبة – مطلقة) بأن رأي الأهل يجب أن يكون هو الفيصل في قضية تزويج الفتيات، إذ أن العضل قد يكون لمصلحة الفتاة التي لا تعلم أين مصلحتها بالضبط، وتحكي عن تجربة شخصية بأنها توصلت إلى قناعتها الحالية بعد أن تعلمت درساً من حياتها، إذ أنها أصرت على الموافقة على شخص رفضه أهلها، وامام إصرارها وعناد الأهل اضطرت أن تتزوج دون موافقة أهلها، ولم تستمر حياتها مع زوجها سوى عام واحد فقط، وعن أسباب الطلاق علقت بأنه ربما رأى أنها رخيصة كونها ضحت بأهلها من أجله.

وتوافقها الرأي سكينة سلام، وهي شابة عربية تعمل في بيع أدوات التجميل، وتؤكد بأنها لا يمكن أن ترتبط بأي شخص دون موافقة أهلها، لأنه في حال تعرضت لمشكلة ما لمن ستلجأ غير أهلها؟!

من جانبها ترى ميرة العجماني وهي امراتية تعمل في المجال الإعلامي، أن العضل يرتبط بشكل أساسي بالعادات والتقاليد التي قد تمنع الفتاة من الزواج من الشخص المناسب، لكنها تؤكد على أن رأي الأهل هو الذي يجب أن يسبق لما فيه من مصلحة للفتاة.

بالطبع معظم الأهالي يقفون مع مصلحة بناتهم، بل ويعملون على ضمان تأمين مستقبلهن من خلال الموافقة أو الرفض كونهم أكثر خبرة في الحياة، لكن يوجد بعض المسؤولين في الأسر ممن لا يفكرون بمصلحة بناتهم، ولا يفكرون إلا بمصلحتهم الشخصية، وهنا يجب على الفتاة أن تحاول إقناع أهلها بكل الطرق، وإن لم تستطع فعليها أن تستشير ذوي الخبرة، وفي هذا السياق أوضح الأمين العام لجمعية حقوق الإنسان خالد الفاخري بأنه في حال رأت الفتاة أنها ظلمت، تستطيع أن تنتصف لنفسها عبر تقديم دعوى إلى المحكمة التي في منطقتها، ويقوم القاضي أولاً بمحاولة الإصلاح والضغط على الولي، وإذا لم ينجح يقنعه بعمل وكالة إلى أحد أفراد العائلة، وإذا لم ينجح يقوم القاضي بإسقاط الولاية عن الولي، ويصبح القاضي هو الولي الشرعي، ويزوِّجها عندما يتأكد أن المتقدم كفءً ، مؤكداً إنَّ إسقاط الولاية له تأثير على الولي وعلى المتقدم أيضاً، إذ إنه ليس كل المتقدمين يقبلون بالزواج منها بعد إسقاط ولاية والدها عنها، ولاشك إنَّ إسقاط الولاية عن الأب أو الأخ يؤثر على الولي من الناحية النفسية والاجتماعية، إلا أنه لا يحق للولي أن يقف في طريق المرأة، وإذا حدث ذلك تعمل المحاكم على محاولة إقناعه أو تسقط ولايته.

وأكد الفاخري أن الولاية هي أمانة نَظَمَتها الشريعة لتسهيل أمور المرأة، وليست حقاً للولي ليتعسف في استعمالها ويمنع المرأة من الزواج ممن تختار وتراه رجلا كفءً، وعلى ذلك يحق للمرأة إسقاط ولاية من يتعسف في استعمال هذا الحق سواء أكان أباً أم ابناً أم أخاً أم غير ذلك، وأشار إلى أن الشرع والقانون والاتفاقات الدولية ألغت جميع أشكال العنف ضد المرأة التي تمارس من أقربائها، ويعد العضل أحد أنواع العنف المحظورة دولياً.

 

حلول ومقترحات

لا شك في أن مشكلة العضل مشكلة حقيقية تستوجب وقوفاً جاداً من قبل مختلف أطراف المجتمع، ويعلق الدكتور إبراهيم بن عبدالله السماري عضو الجمعية السعودية للدراسات الدعوية: يجب أن ندرك أن صور العضل تتجدد وتتطور تبعاً لتطور وظروف البيئة الاجتماعية ومتطلبات الحياة عموماً، ولذا كان من الضرورة أن تتجدد وتتطور كيفية المعالجة بما يكفل القضاء على كل أشكال العضل وصوره المتجددة، فلا بد من تكثيف التوعية الدينية فكثير من حالات عضل النساء سببه العناد مع الجهل بالمقتضى الشرعي، ولو وصلت التوعية الصحيحة لحلت جوانب كثيرة من المشكلة، وأكد على أنه ينبغي أن تكون هناك زواجر واضحة مستمدة من القواعد الشرعية المقررة وعلى رأسها القاعدة الشرعية الكبرى (لا ضرر ولا ضرار) وبالتالي فإن لولي الأمر استمداداً من هذه القاعدة العظيمة أن يضع تنظيمات معينة وملزمة تمنع نشأة أو استمرار ظاهرة عضل النساء لما فيها من هدر لكرامة المرأة والتضييق عليها بدون وجه حق ولأنها مخالفة صريحة للمقصود الشرعي الصحيح والعادل.

كما ينبغي التأكيد على أن التوجيه الأسري يلعب دوراً كبيراً في احتواء أي مشكلة، ففي حال تم رفض المتقدم للفتاة ينبغي توضيح السبب لها، كما ينبغي أن تكون تلك الأسباب مقنعة، إذ أن لجوء الفتاة إلى المحاكم يخلق لها مشاكل إضافية كما يرى الموجه الأسري في محكمة الشارقة عامر المرزوقي، الذي يقول إن «ولي الأمر هو الأعلم بمصلحة ابنته، لأن الفتاة قد يكون تفكيرها محدوداً بخلاف ولي الأمر، ويضيف: نحن ننظر إلى القضية من جوانبها كافة، لمعرفة سبب رفض الولي لزواج ابنته، وهل هو من النوع المتعنت الذي لا يرغب في تزويج بناته لسبب من الأسباب؟ أم أن لديه مبرراته التي دفعته إلى رفض زواج ابنته؟ وهل هو على درجة من الوعي أم لا؟». وفي سياق تفسيره لمعنى الكفاءة في الزواج، يوضح عامر المرزوقي: «إن مسألة الكفاءة يحددها الولي، فهناك من يضع العامل المادي في المقدمة، وهناك من يضع القبيلة، وآخرون يضعون الدين والأخلاق والجنسية»، لافتاً إلى أنه «عندما يرفض الولي فلأن لديه مبرراته من وجهة نظر مجتمعه هو. كما أن الولي ينظر إلى ابنته التي جاءت إليه بشاب لا يعرفه، نظرة كلها ريبة وشك، ويعتبر أن ما بني على خطأ فهو خطأ، لذا ينبغي على الفتاة أن تتريث قبل أن تقع في مشاكل كبيرة .

 

أخيراً

على الرغم من أن قضية العضل لا تزال قضية قائمة تواجه الكثير من الفتيات إلا أن الخلاف لا يزال قائماً حولها، فيما إن كان يتوجب على الفتاة أن تطالب بحقها وتخسر أهلها، وفيما إن كان عليها أن تخسر حقها وتكسب اهلها ؟!

لكن يوجد زاوية ثالثة ينبغي النظر من خلالها وهي زاوية أن تكسب الفتاة أهلها، وتحافظ على حقوقها، وحتى يتم تحقيق النظر والتطبيق من هذه الزاوية ينبغي أن يتم التركيز على بناء الوعي الديني لأولياء الأمور، كما ينبغي أن يتم مناقشة هذه القضية بأكثر من وسيلة إعلامية ودينية وحقوقية حتى يتم تكثيف الجهود من أجل حلها بشكل يضمن حفظ حقوق الفتيات واستقرار المجتمعات.

 

 

 

المصادر:

راصد الخليج

اليوم

ساسة بوست

انا زهرة

لها اون لاين

الحياة