بين الأسرة والعمل

الهام الحدابي

 

من المواضيع المستهلكة ذات الجدل القديم والحديث هو موضوع أيهما أولى بدور المرأة العمل أم الأسرة ؟!

من السهولة بمكان أن نختار أحد الاجابتين، وعادة ما تتسرع كثير من الفتيات في اختيار جانب العمل، ويفضل الذكور اختيار جانب الأسرة، لكن هل يمكننا أن نحصر الإجابة بإجابة واحدة؟! أم أن كلا الاجابتين خاطئ؟!

إذا كرسنا أنفسنا وتمسكنا بإجابة دون أخرى نكون قد استسلمنا لثقافة الصراع التي تشكل نمط التفكير العصري اليوم، بينما يجدر بنا أن نفكر بطريقة مغايرة للتفكير العصري، أقصد يجدر بنا التفكير بالنمط الأساسي الذي يجب أن نفكر فيه (ادخلوا في السلم كافة)، أي ليس بالضرورة أن نعتمد على تفكير الصراع في مناقشتنا لقضايانا، بل يتوجب علينا أن نفكر بطريقة توافقية تضمن منطق السلم الذي يضمن حق كل الأطراف، فمنطق الصراع يقتضي ان يتغلب طرف على الآخر، سواء كانت الأنثى أم الذكر، أما منطق السلم فيرى الأمر بشكل مختلف جذرياً، يرى أن كلا الدورين مهم ومكمل للآخر.

فعمل المرأة في بيتها مهم، وعملها خارج المنزل أيضاً مهم، والفيصل في الأمر هو قضية التوازن وترتيب الأولويات، إذ أن ترتيب الأولويات يعتمد على قدرتنا في فهم وضع المرأة وحالتها وقضيتها ثم مقاربتها على أرض الواقع، فلا يمكن أن نقارن مثلاً  وضع فتاة لم تتزوج بعد بوضع امرأة لديها أطفال، فالأجدر بالأولى أن تستثمر قدرتها وطاقتها في ما ينفعها ويخدم مجتمعها ويثري واقعها، فهي في كلا الحالتين تعلب دوراً حيوياً في مجال التربية من خلال مشاركتها الفاعلة في الواقع، أما الثانية فالأجدر بها أن تقوم بدروها الأساسي في تربية النشء، وفي حين يكبرون وتجد فرصة لتمارس دورها الفاعل في المجتمع من خلال المشاركة في الأنشطة العلمية والفعاليات الثقافية فلتفعل.

المشكلة تكمن في عدة جوانب، الأول يرتبط بنظرة المجتمع -القاصرة- تجاه دور المرأة، إذ تسود نظرة أن المرأة خلقت للبيت، وأن دورها الأساسي-والوحيد- لا يقوم إلا في المنزل، وتتغافل هذه النظرة القاصرة عن حقيقة وجود طاقة هائلة ومهدة من خلال حبس النساء في هذا الدور، إذ طالما وجدت المرأة فرصة  لتقوم بأي دور فاعل في المجتمع فيتوجب عليها القيام به طالما أنه لن يدفعها للإخلال بمهماتها حسب وضعها وواجباتها.

الجانب الثاني يرتبط بالنظرة العامة لمفهوم العمل، إذ ينظر إلى عمل المرأة بنظرة اتهام وحصره في مجالات محددة ومعايير محددة، منها العمل خارج المنزلن والعمل من أجل كسب الرزق، والعمل لتحقيق الذات، وغيرها من القضايا التي تتعلق بالنظرة العامة لعمل المرأة، كل ما سبق يعتبر أمراً منطقياً يرتبط بطبيعة العمل، لكن من الإجحاف حصر مفعوم العمل في هذه الجوانب، إذ يمكن للمرأة أن تمارس عملها من المنزل، كما ليس بالضرورة أن تحتاج المرأة إلى المال من اجل أن تعمل، أما بخصوص تحقيق الذات فليس بالضرورة أن يتم ذلك من خلال العمل، يتوجب أن نعيد النظر في هذه المفاهيم لنحررها من النظرة السلبية التي تحصر المرأة من جهة، وتعيق تقدم المجتمع وتفاعله بمكوناته من جهة أخرى.

أما الجانب الثالث فيرتبط بغياب فهم فقه الأولويات بالنسبة للمرأة نفسها، إذ تميل بعض النساء إلى دخول مرحلة الصراع بين دورها في المنزل ودورها في العمل، ومن اجل حل هذه المشكلة يتوجب أن يتم بناء وعي مجتمعي بشكل عام ووعي نسائي بشكل خاص تجاه فقه الأولويات، لتتمكن المرأة من خلال هذا الوعي البناء أن توازن بين أدوارها وتقوم بها بشكل متوازن لا يخل بجانب دون آخر.

الحديث حول هذه القضية يحتاج لكثير من المناقشات والأبحاث وأخذ مختلف وجهات النظر ومقاربتها على أرض الواقع، لكن ربما يمكننا القول أن الفيصل الاساسي في هذه القضية يرتبط بقضيتين هما فهم فقه الأولويات، وتبني قيمة التوازن بشكل عام في الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *