الموهبة كرسالة

إلهام الحدابي

 

عندما نقول الموهبة تخطر إلى بالنا مئات الصور والأشخاص والأحداث والمسابقات والرسومات والموسيقة، والروايات، والملصقات والإعلانات والشهرة…إلخ

في ضجيج عالم الاستهلاك أصبحت الموهبة مجرد عبء على صاحبها، إذ ان الكثير من اصحاب المواهب يدفنون مواهبهم بسبب التقليد، أو بسبب البحث عن الشهرة، أو بسبب غياب الهدف من استثمار الموهبة، فيلجأون للركض في كل الاتجاهات من أجل البحث عن شيء ما، شيء يتناسب مع رغبتهم في تحقيق الذات والوصول إلى حالة السعادة، وقد يبلغها المرء من خلال سعيه الدؤوب لكن في نهاية المطاف تصبح تلك الموهبة، وذلك الجهد والسعي والمحاولات محض هباء إذا فقدت الهدف من غايتها.

 

حول الموهبة

يظن كثير من الناس أنهم بلا موهبة، لكن هل هذا صحيح؟!

بالطبع لا..

فكل انسان لديهم شيء ما يميزه، ليس بالضرورة ان يكون شيئاً ملموساً ومألوفاً كما اعتاد الجميع أن يحصروه في الرسم أو الغناء أو النقش أو الخياطة..إلخ، لكن قد يكون شيئاً ما غير ذا قيمة في ذاته، لكن إذا وظف بشكل فاعل يصبح ذا قيمة، مثلاً القدرة على الملاحظة قد تكون أول خطوة في مشروع ناقد فني، التمتع بحاسة تذوق جيدة قد تكون مشروع محكم مسابقات دولية في الطبخ وهكذا..

قد ينظر للموهبة على أنها مصدر للرزق في أي مجال كانت، وقد ينظر لها على أنها وسيلة لتميز الشخص في مجال ما، وقد ينظر لها على أنها وسيلة للشهرة، وقد ينظر لها على أنها المصدر الرئيسي لسعادة أحدهم، وقد ينظر لها على أنها الشيء الذي لا تقوم حياة أحدهم إلا بها، وهكذا…

سيكثر الجدل في نقاش موضوع الموهبة وعلاقتها بواقعنا وأدوارنا في حياتنا، لكن حتى نصل إلى كلمة سواء تضفي لنا قدراً من المعرفة التي تفيدنا في الأخلاق العملية في واقعنا يجب أن ندرك أنه لا يهم مقدار القدرة أو الرغبة التي تسكننا عندما نمارس عملاً ما نحبه، يصبح بمرور الوقت موهبة لصيقة بنا، المهم هو كيف يمكننا أن نوظف تلك الموهبة ونهدفها لتصبح شيئاًذا قيمة على أرض الواقع.

الموهبة ككنز

عندما نتحدث عن قيمة الموهبة لا يجب أن نحصرها في البعد المادي، أي ما الذي سنجنيه من المال من خلال هذه لموهبة، أو كيف سنحقق شهرة من خلالها، بل يجب ان نربط قيمتها الاساسية بقيمتها التأثيرية الإيجابية على أرض الواقع، ولا يكون ذلك إلا من خلال تعاملنا بمسؤولية واعية مع القدرات والمواهب التي نتمتع بها، أو من خلال توجيهنا لمن يحيطنا بأن يتبنى هذه الفكرة في تعامله مع قدراته ومواهبه.

لا يمكن للموهبة أن تتحول إلى كنز من خلال صقلنا المستمر لمواهبنا فقط، أو من خلال النجاحات العريضة التي يمكننا أن نحققها في مجال مواهبنا أو المجال الذي نتميز فيه، بل من خلال تحوريها في رسالة هادفة على أرض الواقع.

وبقدر عمق وسعة تأثير الرسالة التي تحملها الموهبة يكون نجاحها، أي أنه من خلال تحقيق الأهداف المرامة في استثمار موهبة ما يكون المرء قد حقق درجة ما في خطوات نجاحه، لكن لا يمكن أن نعتبر الموهبة التي لديه كنز، لأنها-فعلياً- مهما حققت نجاحات ستضل تلك النجاحات فردية، وإن تمكن من توسيعها لتشكل جمهوراً أكثر ستحقق نجاحاً نسبياً يتعلق بالفئة التي استهدفها، لكن إن أصبحت الموهبة بحد ذاتها رسالة تتبنى قضية وهدف، لن ينحصر تأثيرها بفرد أو جماعة، بل ستصبح جزءاً لا يتجزأ من قضايا الواقع، وستصبح بمرور الوقت جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية والنجاحات الخالدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *