مدَّ يدك و لنكن معاً

عائشة الصلاحي

 

هل تساءلت يوماً ما هي الطريقة الأكثر إيلاماً للموت؟؟

لابد أن هكذا تساؤل عبر في خاطرك ولو من باب الفضول حول صحة مقولة (تعددت الأسباب والموت واحد)، خاصة وأننا صرنا في عصر يبيع الموت بكل النكهات مجاناً، الخبراء قاسوا العديد من حالات وأسباب الموت وأقروا أن الطريقة الأكثر إيلاماً هي الموت تجمداً وخاصة التجمد في المياه الباردة، فالمياه تقوي عملية التجمد بنسبه 30% أكثر من التجمد في الهواء وذلك يبدو كالفرق بين المروحة و الثلاجة، كما أنها تمنع الضحية من فقدان الوعي لوقت أطول بسبب الخوف من الغرق، الموت برداً قد يبدو أقل ألماً من الموت حرقاً لكن الحقيقة أن البرد له طريقته المؤلمة لحرق الخلايا حتى النواة في أجسادنا؛ فالبرد يقوم بتحويل السكر فيها الى كتل متفحمة فيما يسمى بـ(عضات البرد) التي تجعل اللحم متعفن وميت (غرغينا)، ولهذا فالبرد له طريقته الحارقة والبطيئة في التغلغل داخل الجسد ومنع وصول الأكسجين إلى الرئتين وتسريع دقات القلب وخفض الضغط فيما يسمى بصدمة البرد، وفي أقل من عشر دقائق يصبح الإنسان عاجزاً عن تحريك أطرافه بسبب شللها مما يجعله بلا حيلة أمام الموت الزاحف داخله.. كل هذا وهو واعي تماماً بعكس كثير من طرق الموت الأخرى..

ورغم بشاعة هكذا مصير فإن هناك ما هو أخطر منه على الإنسان، إنه برد النفس وتجمد الروح.. أو ما يمكننا تسميته حالة الشعور بالوحدة حيث يتسلل البرد الى الأعماق و تتجمد أنفاس الجوهر والكيان الحقيقي للمرء، وقبل التعمق بذلك علينا أن نميز جيداً أن هناك فرق شاسع بين أن تكون في عزلة وأن تكون في حالة وحدة شعورية (وحيد)، فليس كل من كان في خلوة أو عزلة هو وحيد في مشاعره وإحساسه.

الخلوة الراشدة أو العزلة الاختيارية هي من أكثر السمات التي رافقت العظماء والمبدعين في حياتهم فهم يلجأون إليها ليصنعوا تواصل عميق مع أفكارهم و إبداعهم، ففي الخلوة تنصت إلى صوتك الداخلي بكل وضوح دون ضوضاء الآخرين و متطلباتهم المزعجة، وتعتبر من أفضل الأنشطة التي يُنصح بها لصقل المواهب وممارسة التأمل و بناء السلام الداخلي.

في الخلوة الراشدة لا يكون المرء وحيداً، فأفكاره معه وقناعاته تؤنسه و مشاعره ملتهبة تجاه قيمه وغاياته كما أن قلبه دافئُ بالقدوات والأعزاء الذين لم يفارقهم روحياً ونفسياً، ومع أن الحبس الانفرادي يُعتبر أشد وسائل التعذيب النفسي لكنه صنع قامات عظيمة تاريخياً خرجت من خلوتها مملوءة بالحكمة والقوة.

كيف حصل ذلك؟!

حصل بسبب ان تلك الخلوة كانت راشدة وفيها الوعي الاختياري للتواصل مع النفس، وهذا بالضبط ما تفتقر إليه حالة الوحدة الشعورية التي يشعر فيها المرء أنه وحيد تماماً حتى لو كان محاط بالأشخاص أو المعجبين أو زحمة المشاغل.

الوحيد يشعر في اعماقه بالبرودة العاطفية والهجران العميق، ترتفع جدران تصوراته للحياة ولنفسه حتى تصبح أسوار تسجنه خلفها، جدران تضيق سعة نفسه عليه.. فهناك حفرة وهنا أشواك وهنالك أدغال مخيفة وبين كل هذا وذاك تختفي كل مساحاته الواسعة لينطوي في زاوية ضيقة مظلمة كئيبة في هاوية سحيقة داخله.

لا أحد يفهمني حتى لو شرحتُ لهم..

لا أحد يتقبلني كما أنا.

لا يمكنني أن أحب مرة أخرى… فأنا لا أحتمل إنكسار أخر..

لا يوجد من يرافقني في أحلامي فالكل أناني..

لن أجد الاحتواء من أي شخص ..

أضاعوني وأي فتى أضاعوا.. لا فائدة من تقديم نفسي..

التمسك بالأشخاص مهانة .. فلا أحد يتمسك بك للنهاية ..

أنا أضعف من أن أعتنق تلك المبادئ العظيمة و الأحلام الكبيرة..

لا مكان لي في هذه الحياة..

أخطائي كبيرة و لا غفران لها ..

حتى الله لن يسامحني و لن يقبل شخص نكرة مثلي..

خسارتي لا تعوض و لا يمكنني الاستمرار ..

لا جدوى من كل هذا الهراء.. تعبت

هذه هي نوعية الجدران التي يقيمها الوحيد داخله، بمثل هذه التعميمات والتصورات يملأ نفسه بالحيطان الصلبة التي تحاصره وتمنع عنه النور و النسيم العليل، ومعها يفقد أي مذاقات طيبة للحياة فتبرد اهتماماته وتتلاشى روابطه الاجتماعية حتى وإن كان يظهر بمظهر ناجح ولامع وذو شعبية، فالحقيقة أنه ينطفئ من الداخل وعاجلاً أم آجلاً سينتهي كما ينتهي ضحية المياه المتجمدة..

بعيدٌ (هو) هناك عن كل نداءات الحياة.. خلف جدران سجنه يذبل ويخبو كما يخبو القنديل الذي انتهى زيته، ومع كل بريق خارجه فهو يصرخ من أعماقه يبحث عن من ينقذه من بحيرته المتجمدة التي تقتله يوماً بعد يوم وبألم مريع..

ليته يعلم أن الحل يكمن في أن يهدم جدرانه و يسمح للآخرين ممن يثق بهم في الدخول إليه، الحل أن لا يصمت.. أن لا يكبت.. أن لا يستسلم ليأس قلبه وأن يتحرك تجاه الحياة، أن يمد يده لطلب المساعدة المتخصصة فهذا هو قمة النضج..

ليته يعلم أنه ليس وحيد، فنحن هنا ننتظر أن يسمح لنا بالانضمام إليه فلا يوجد إنسان في العالم مهما كان ومهما فعل يستحق أن يعيش وحيد و منبوذ الروح و النفس…

نحن من نشيد أسوار عزلتنا ونطبق حكم النفي القسري على أرواحنا لذا فنحن من علينا إنهاء كل ذاك.. قف و قرر… أنا لست وحدي حتى لو ظننتُ ذلك… أنا لستُ وحدي وأنا اسمع نغمات القلوب حولي تهمس لي…أنا لستُ وحدي حتى لو لم أرى وجوه أحبتي فإنهم هناك ينتظروني أن انهض و أكمل الطريق معهم… أنا لستُ وحدي لأني بالتأكيد لدي تلك المساحات الخفية من الحب والعطف في صدور من يفهمني حقاً… صحيح قد يكونوا قلة لكن الله لن يحرمني… ربما كانت قلوب مقصرة لكنها تظل قلوب محبة يمكننا التمتع بها على قدرها بلا مثالية…

ليته يعلم اننا كلنا نشعر بشيء من الوحدة وأننا نعتنق بعضنا كما تفعل العصافير لنواجه برد الحياة معاً، كلنا نعاني من هكذا عثرات لكننا نقاومها معاً… ومعاً سنكون على ما يرام..

ليته لا يستسلم … لنكن معاً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *